إن المقارنة التي يعقدها الغزالي هنا بين علوم القرآن - علوم القشر والصدف - وبين علوم الحديث مقارنة هامة من حيث أنها تكشف عن تصوره لدرجة هذه العلوم وقيمتها إذا قورنت بعلوم اللباب التي يتضمنها النص القرآني . في مثل هذه المقارنة يكون المفسر بالتفسير الظاهر أي استنادا إلى علوم اللغة - مثل الحافظ المؤدي الذي ينقل نص الحديث إلى من هو أفقه منه فيقوم باستخراج ما فيه من حكم . ومن هذه المقارنة أيضا نفهم ما أشار اليه الغزالي في نص سابق من عدم أهمية علم القراءات واعتباره من الزوائد المستغنى عنها دون اللغة والنحو ، وهو تصور يتناقض مع أهمية هذا العلم القصوى ، إذ ليس تعدّد القراءات إلا إثراء لدلالة النص وكشفا لامكانات لا تتوفر إلا في النصوص الممتازة . ولا شك أن الغزالي كان على دراية عميقة بالتداخل والتراسل بين علوم اللغة وعلوم القرآن ، وليس علم القراءات إلا أحد العلوم التي لا تنفصل فيها علوم اللغة عن علوم القرآن . ولعل الغزالي يقصد من وراء « علم القراءات » الذي يستغنى عنه طرائق الأداء الشفاهي للنص . وأيا كان ما يقصده الغزالي فالذي لا شك فيه أن مقارنته بين علوم القشر والصدف وعلوم الحديث تكشف عن تصوره لهذه العلوم بأنها علوم خارجية ، أو علوم تمهيدية ، علوم تنتهي مهمتها عند حدود القشر والصدف ، ولكنها هامة وخادمة لعلوم أخرى وراءها .
2 - علوم اللباب ( الطبقة العليا )
أ - معرفة اللّه
صارت معرفة اللّه هي غاية الغايات ، وأصبح الوصول اليه هو الهدف الأسمى من الحياة ومن المعرفة والعلم . وكان من الطبيعي أن يعاد تقسيم آيات القرآن بناء على تحقيق هذه الغاية ، فصارت الآيات الدالة على معرفة اللّه هي سر القرآن ولبابه الأصفى ، وصار العلم الناتج عن هذه الآيات هو العلم الأول في علوم الطبقة العليا من علوم اللباب . لم تعد الغاية من الوحي « نزولا » من اللّه للانسان ، أو « تنزيلا » لأوامره ونواهيه هدفها تحقيق الوجود الأمثل للانسان ، بل صارت غاية الوحي القصوى التعريف بالمتكلم الذي يحاول الانسان السعي و « العروج » اليه . وكلما اقترب العلم من تحقيق هذه الغاية كلما تصاعدت قيمته ، والآيات التي تومئ إلى العلم يتحدد مستواها بمستوى العلم الذي تومئ اليه . ولا غرابة بعد ذلك أن يكون في القرآن آيات في الطبقة العليا من اللب وأخرى في الطبقة السفلى ، ولا غرابة أن تكون الآيات الدالة على معرفة اللّه هي الآيات التي تقع في القسم الأول من الطبقة العليا من لباب القرآن .
سر القرآن ولبابه الأصفى ، ومقصده الأقصى دعوة العباد إلى الجبار الأعلى ، رب