تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
إلى ما وراءه من درر وجواهر . وليست المكانة التي يحظى بها علم التفسير عند الغزالي إلا مكانة نسبية ، أي بالنسبة إلى ما وراءه من علوم تراد له لكي تخدمه ولا يراد لها ليخدمها . ولكن علم التفسير الظاهر هذا إذا قيس بما يليه من علوم الجواهر والدّرر يتحول إلى علم خادم ويفقد قيمته التي كان يحظى بها قبل ذلك . وإذا كانت ضالّة المؤمن فهم كلام اللّه واستخراج دلالته واكتشاف معانيه فإن علوم اللغة فيها الكفاية والغنية ، ما دام اللّه سبحانه وتعالى قد اختار اللغة العربية وسيطا لخطاب البشر . لكن إذا كانت اللغة مجرد غطاء ظاهري زائل فإن متغير حادث يستكن وراءه معنى باطن أبدي باق ثابت قديم هو صفة المتكلم فإن علوم اللغة تصبح مجرد وسائل وأدوات لنزع الغطاء الخارجي أو لاختراقه إن شئنا الدقة . وإذا أضفنا إلى ذلك أن غاية الوجود الإنساني صارت معانقة المطلق والفناء فيه ، فإن مهمة النص تتحول إلى أن تكون الكشف عن المطلق وعن صفاته . وبناء على هذا التصور لا يكون المعنى أو الدلالة هو الضالة والغاية ، بل يكون المتكلم القديم هو الهدف الذي نسعى اليه من خلال فك شفرة النص . وتتحول العلوم الخمسة السابقة كلها بما فيها علم التفسير الظاهر إلى وسائل لغايات أخرى . ويصبح علماء اللغة والقراء والمفسرون مجرد حفّاظ وعاة ناقلين إلى غيرهم ثمرات علومهم ، وهؤلاء الأغيار - أهل الطريق السالكين إلى اللّه - هم القادرون وحدهم على النفاذ من الصدف والقشر واستخراج الجواهر والدرر المستكنة تحتها . هم وحدهم القادرون على الوصول إلى الحقائق والغوص في بحار النص لاستخراجها . إن علماء اللغة والقراء والمفسرين ليسوا في مثل هذا التصور إلا علماء الظاهر والقشر والصدف ، وهم بذلك أقرب إلى أن يعدّوا من طبقات علماء الدنيا . إذا قاموا بشرط علومهم فحفظوها وأدوها على وجهها فيشكر اللّه سعيهم وينقّي وجوههم كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ( نضّر اللّه امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها فربّ حامل فقه إلى غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه وهؤلاء سمعوا وأدوا فلهم أجر الحمل والأداء أدوها إلى من هو أفقه منهم أو إلى غير الفقيه ) . والمفسر المقتصر في علم التفسير على حكاية المنقول سامع ومؤد كما أن حافظ القرآن والأخبار حامل ومؤد ( وكذلك علم الحديث ) يتشعب إلى هذه الأقسام سوى القراءة وتصحيح المخارج ، فدرجة الحافظ الناقل كدرجة معلّم القرآن الحافظ له ، ودرجة من يعرف ظاهر معانيه كدرجة المفسر ، ودرجة من يعتني بعلم أسامي الرجال كدرجة أهل النحو واللغة لأن السند والرواية آلة النقل وأحوالهم في العدالة شرط لصلاح الآلة للنقل ، فمعرفتهم ومعرفة أحوالهم ترجع إلى معرفة الآلة وشرط الآلة « 1 » .
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 20 .