الكلام الإلهي صفة ذاتية قديمة فقد كان من الضروري الفصل بين « الصفة القديمة » الملازمة للذات الإلهية وبين « تجليها » في العالم في القرآن المقروء المتداول أي في « النص » . إن « النص » المقروء بالألسنة والمكتوب بين دفتي « المصحف » ليس إلا « محاكاة » لصفة الكلام القديم . ومعنى ذلك أن « اللغة » في هذا « النص » غطاء خارجي ، أو قشرة يستكن داخلها « مضمون أزلي » قديم . وإذا كان الفكر الأشعري قبل الغزالي قد وقف في تصور الكلام الإلهي عند حدود التفرقة بين الصفة القديمة والمحاكاة في التلاوة أو القراءة ، فإن البعد الصوفي في فكر الغزالي قد استطاع أن يساعده على تطوير هذا المفهوم من خلال ثنائية أخرى هي ثنائية « الظاهر والباطن » . من خلال هذه الثنائية أمكن أن يكون للقرآن ظاهر وباطن لا على مستوى المعنى والدلالة فقط كما هو شائع في الفكر الصوفي ، بل على مستوى البناء والتركيب في نسق النص ونظامه ، فالباطن هو الأسرار والجواهر ، هو الحقائق التي يتضمنها النص من حيث هو مضمون ، أما الظاهر فهو الصدف والقشر ، هو اللغة التي يظهر النص بها لأفهامنا وعقولنا .
1 - علوم القشر والصدف :
اللغة في هذا التصور مجرد وسيط تؤدي فعالياته إلى اكتشاف السطح والقشرة الخارجية للنص دون أن تحقق اقتحاما أو ولوجا لعالم النص الداخلي ، لأسراره وجواهره . وفعاليات اللغة تبدأ من مستوى الصوت وتنتهي عند مستوى الدلالة مرورا بمستويات أخرى تشكّل في مجموعها خمسة علوم تعدّ علوم القشر والصدف والكسوة .
أول أجزاء المعاني التي منها يلتئم النطق هو الصوت ، ثم الصوت بالتقطيع يصير حرفا ، ثم عند جمع الحروف يصير كلمة ، ثم عند تعيّن بعض الحروف المجتمعة يصير لغة عربية ، ثم بكيفية تقطيع الحروف يصير معربا ، ثم بتعيّن بعض وجوه الاعراب يصير قراءة منسوبة إلى القراءات السبع ، ثم إذا صار كلمة عربية صحيحة معربة صارت دالة على معنى من المعاني فتتقاضى للتفسير الظاهر وهو العلم الخامس « 1 » .
وبناء على هذا الترتيب تكون علوم القشر والصدف بالنسبة للقرآن خمسة علوم هي :
علم مخارج الحروف وهو علم يرتبط بقراءة النص وأدائه ، ثم علم لغة القرآن وهو العلم الذي يبحث في الألفاظ من جميع نواحيها ، ويلي ذلك علم اعراب القرآن وعن هذا العلم يتفرع علم رابع هو علم القراءات ، وتنتهي هذه العلوم إلى العلم الخامس وهو علم التفسير الظاهر . وترتيب هذه العلوم على هذا الشكل ، أي من حيث البدء بالمخارج والانتهاء
هامش
( 1 ) جواهر القرآن : ص 18 .