تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
يجعل الغزالي « علم الفقه » أحد علوم الدنيا وهو علم تنحصر ضرورته في أنه علم تمهيدي لتهيئة المناخ الملائم اجتماعيا لتحقيق غاية الدين الأصلية « 1 » . يرتد تصنيف العلوم عند الغزالي إذن إلى ثنائية حادة في تصوره للعلاقة بين الدنيا والآخرة . وإذا كان القرآن لا يضع مثل هذا التعارض الحاد بين الدنيا والآخرة ويطلب من المسلم ألا ينسى نصيبه من الدنيا ، كما تطلب منه المأثورات أن يعمل للدنيا كأنه يعيش أبدا وأن يعمل للآخرة كأنه سيموت غدا ، فان الغزالي يعبر عن تصوره لتعارض حاد بينهما بحيث يستحيل جمعهما ، بل يجعل من هذا التصور الحد الأدنى من العلم الذي ينبغي على العالم « عالم الآخرة » أن يعرفه . أقل درجات العلم أن يدرك حقارة الدنيا وخسّتها وكدورتها وانصرامها ، وعظم الآخرة ودوامها وصفاء نعيمها وجلالة ملكها ، ويعلم أنهما متضادتان ، وأنهما كالضّرّتين مهما أرضيت أحدهما أسخطت الأخرى . وأنهما ككفّتي الميزان مهما رجحت إحداهما خفّت الأخرى ، وأنهما كالمشرق والمغرب مهما قربت من أحدهما بعدت عن الآخر ، وأنهما كقدحين أحدهما مملوء والآخر فارغ فبقدر ما تصب منه في الآخر حتى يمتلئ يفرغ الآخر . فان من لا يعرف حقارة الدنيا وكدورتها وامتزاج لذتها بألمها ثم انصرام ما يصفو منها فهو فاسد العقل « 2 » . ورغم هذا التعارض الحاد فلا مناص من تقبل الحد الأدنى من الحياة الدنيوية طالما أن الدنيا معبر وطريق إلى الآخرة . إن الدنيا منزل من منازل السائرين إلى اللّه تعالى والبدن مركب فمن ذهل عن تدبير المنزل والمركب لم يتم سفره وما لم ينتظم أمر المعاش في الدنيا لا يتم أمر التبتل والانقطاع إلى اللّه تعالى الذي هو السلوك ، ولا يتم ذلك حتى يبقى بدنه سالما ونسله دائما ويتم كلاهما بأسباب الحفظ لوجودهما وأسباب الدفع لمفسداتهما ومهلكاتهما « 3 » . من خلال هذا التصور الثنائي لعلاقة الدنيا بالآخرة يتم تصور النص وتحديد أهدافه وغاياته ، كما يتم تصنيف العلوم التي يمكن استخراجها منه . وإذا كان هذا التصور الثنائي لعلاقة الدنيا بالآخرة ينطلق من توجّه صوفي ، فان في تصور النص عند الغزالي ثنائية أخرى تنطلق من التصور الأشعري للكلام الإلهي بوصفه صفة ذاتية لا بوصفه فعلا . وما دام
هامش
( 1 ) انظر : احياء علوم الدين ، الجزء الأول ، ص 5 ، 17 - 18 ، 19 - 20 ، 56 . ( 2 ) انظر : احياء علوم الدين ، الجزء الأول ، ص 60 . ( 3 ) جواهر القرآن ، ص 16 .