وابن عربي يصر في فتوحاته على التمسك بالعقائد الأشعرية الأساسية « 1 » . لكن الفكر الأشعري قد عانق التوجه الصوفي وامتزج به امتزاجا تاما عند الغزالي قبل ابن عربي بقرن من الزمان .
وتنشأ تصورات الغزالي للنص ولأهدافه وغاياته من منطلقين أساسيين أحدهما أشعري كلامي والثاني صوفي غنوصي . ويتحدد المنطلق الأشعري للغزالي من حقيقة تصور الأشاعرة للنص بوصفه « صفة » من صفات الذات الإلهية ، في حين يتحدد منطلقه الصوفي من حصر غاية الوجود الانساني على الأرض في تحقيق الفوز والفلاح في الآخرة . وإذا كانت هذه الغاية يمكن الوصول إليها وتحقيقها عبر تحقيق الوجود الانساني الأمثل في الواقع والمجتمع ، فان الغزالي يرى أن تحقيقها لا يتم إلا عبر الزهد في الدنيا والانقطاع إلى اللّه وطرح كل ما سواه .
من هذين المنطلقين لا يتحدد فقط مفهوم الغزالي للنص ، بل يتحدد أيضا طبيعة المشروع الفكري الذي حاول الغزالي أن يقدمه للمسلمين من خلال كتاباته وتعاليمه . ومن الضروري لكي نفهم تصورات الغزالي للنص ولأهدافه وغاياته أن نفهم طبيعة مشروعه الفكري في ضوء ظروف عصره وحركة واقعه . وإذا كان الغزالي في « المنقذ من الضلال » يحدثنا عن أزمته الفكرية ، ويفسر لنا كيف تخلى عن منهج المتكلمين والفلاسفة وانحاز إلى الطريق الصوفي بوصفه الطريق المؤدي إلى اليقين ، فالحقيقة أن الغزالي لم يتخلّ اطلاقا عن منهج المتكلمين والفلاسفة كما يدعي . وكتابات الغزالي في المرحلة الأخيرة من حياته تعكس هذا التعدد في التوجهات ما بين الكلام والفلسفة والتصوف وأصول الفقه والمنطق .
والحقيقة أن الغزالي لم يكفه القيام بدور المتكلم أو دور الفيلسوف أو حتى دور الصوفي ، ولكنه أراد أن يقدم مشروعا متكاملا « لاحياء » علوم الدين . ويقوم مفهوم « الاحياء » على افتراض مؤداه العودة إلى الماضي لحل معضلات الحاضر . وداخل هذا الافتراض يكون الحاضر نموذجا للفساد والضعف والانحراف عن المعايير الأصيلة للدين ، في حين يكون الماضي نموذجا للنضارة والطهارة والنقاء وتحقيق الوجود الفعلي للوحي .
إن « إحياء علوم الدين » يفترض - من ناحية ثانية - تصنيفا للعلوم إلى نمطين : علوم الدين وعلوم الدنيا ، ويفترض في نفس الوقت أن كفة الميزان - في عصر الغزالي على الأقل - كانت تميل في صالح « علوم الدنيا » على حساب « علوم الدين » . لكن هذا الافتراض الثاني لا يكون صحيحا بالنسبة لعصر الغزالي إلا إذا تقبلنا تصوره لغاية الدين ووظيفته ، وهي غاية تنحصر في الخلاص الفردي والنجاة في الآخرة . من هذا المنطلق لا ينبغي أن ندهش حين
هامش
( 1 ) انظر : الفتوحات المكية ، الجزء الأول ، ص 37 - 38 .