إن حركة الوحي النازلة من اللّه إلى الانسان والتي تعني الكشف والافصاح والبيان قد تحولت في الفكر الديني المتأخر إلى حركة صعود من جانب الانسان سعيا إلى اللّه ذاته . وعلى حين كانت حركة الوحي في بدايتها تستهدف الانسان بما هو عضو في جماعة ومن ثم تستهدف إعادة بناء الواقع لتحقيق مصلحة الانسان ولإشباع حاجاته المادية والروحية ، فقد كانت الحركة الانسانية في التصورات الصوفية حركة للخلاص الذاتي الفردي بمعانقة المطلق والفناء فيه . ونتيجة لذلك تم توجيه النص وتمت إعادة تصوره في الفكر لتحقيق هذه الوظيفة . لقد تحولت حركة الكشف إلى محاولة اكتشاف ، وصار النص الكاشف مجرد أداة لاكتشاف قائل النص والتوحد به . ولم يكن لمثل هذا التحول أن يتم إلا بعد حدوث تحول مواز في حركة الواقع الذي يتفاعل معه النص .
وإذا كان المجتمع الاسلامي الأول قد جعل همّه الأول التكيف مع معطيات النص وفرض سيادته على النصوص الأخرى ، فان تحقق هذه الغاية كان مرهونا بوحدة المجتمع وعدم تنافر عناصره ومكوناته الاجتماعية . وقد كان من الطبيعي أن يؤدي قيام الدولة واتساع أطرافها إلى تعدد في طبيعة القوى الاجتماعية المكونة ، وهو تعدد سرعان ما تحول إلى صراع اقتصادي - اجتماعي - سياسي - ديني .
وقد أفضى هذا الصراع إلى تعدد الرؤى والتصورات حول طبيعة النص الديني وحول غايته وهدفه . وعلى حين ركزت الاتجاهات العقلية التي يعد المعتزلة أشهر ممثليها على الانسان بوصفه المخاطب بالنص والمستهدف من تعاليمه ، كما أنها استوعبت النص على أساس أنه « فعل مخلوق » ، نجد أن الأشاعرة قد ركزوا على الطرف الآخر ، طرف القائل ، ومن ثم كان تصورهم للنص أنه « صفة » ذاتية للقائل لا فعلا من أفعاله . وكان من الطبيعي أن تتضاءل في هذا التصور قيمة « الانسان » الذي يمثل الطرف الآخر - طرف المتلقي - في عملية الوحي ، بل وفي مفهوم النصّ .
ومن تحت جبة الأشاعرة انبثق التصوف ، فالحارث بن أسد المحاسبي أشعري صوفي ،
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 245
مساهمون: نصر حامد أبو زيد
ص٢٤٥