تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
« الاجتهاد » عاملا هاما من أهم عوامل اختلاف الفقهاء ، وهو الاختلاف الذي اعتبر رحمة من اللّه بالعباد ، وذلك استنادا إلى ما يروى من قول النبي : « اختلاف أمتي رحمة » . لقد وصل أمر التسليم بحرية الاختلاف في مجال الفقه أن اعتبرت « التأويلات » المختلفة دلالة على احتمال النص لهذه التأويلات كلها واعتبر ذلك من علامات الاعجاز ، وهذه نتيجة وصل إليها العلماء بالترتيب التالي : وكل لفظ احتمل معنيين فصاعدا فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه ، وعلى العلماء اعتماد الشواهد والدلائل ، وليس لهم أن يعتمدوا مجرد رأيهم فيه . . . وكل لفظ احتمل معنيين فهو قسمان : - أحدهما : أن يكون أحدهما أظهر من الآخر ، فيجب الحمل ، على الظاهر إلا أن يقوم دليل على أن المراد هو الخفي دون الجلي فيحمل عليه . الثاني : أن يكونا جليين والاستعمال فيهما حقيقة . وهذا على ضربين : أحدهما أن تختلف أصل الحقيقة فيهما ، فيدور اللفظ بين معنيين ، هو في أحدهما حقيقة لغوية ، وفي الآخر حقيقة شرعية ، فالشرعية أولى إلا أن تدل قرينته على إرادة الحقيقة اللغوية ، نحو قوله تعالى :
( وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ )
، وكذلك إذا دار بين اللغوية والعرفية ، فالعرفية أولى لطريانها على اللغة ، ولو دار بين الشرعية والعرفية ، فالشرعية أولى لأن الشرع ألزم . الضرب الثاني : لا تختلف أصل الحقيقة ، بل كلا المعنيين استعمل فيهما ( اللفظ ) ، في اللغة أو في الشرع أو العرف على حد سواء . وهذا أيضا على ضربين : أحدهما أن يتنافيا اجتماعا ، ولا يمكن ارادتهما باللفظ الواحد ، كالقرء ، حقيقة في الحيض والطهر ، فعلى المجتهد أن يجتهد في المراد منهما بالأمارات الدالة عليه ، فإذا وصل اليه كان هو مراد اللّه في حقه ، وان اجتهد مجتهد آخر فأدى اجتهاده إلى المعنى الآخر كان ذلك مراد اللّه تعالى في حقه ، لأنه نتيجة اجتهاده وما كلف به ، فإن لم يترجح أحد الأمرين لتكافؤ الأمارات فقد اختلف أهل العلم ، فمنهم من قال : يخيّر في الحمل على أيهما شاء ، ومنهم من قال : يأخذ بأعظمهما حكما . ولا يبعد اطراد وجه ثالث ، وهو أن يأخذ بالأخف كاختلاف جواب المفتين . والضرب الثاني : ألا يتنافيا اجتماعا ، فيجب الحمل عليهما عند المحققين ، ويكون ذلك أبلغ في الاعجاز والفصاحة ، وأحفظ في حق المكلف « 1 » . إن الاجتهاد في تأويل النص لا يختلف في الفقه ومجال الأحكام عنه في أقسام النص الأخرى من حيث إنه يعتمد على حركة « العقل » للنفاذ إلى أعماق النص . وإذا كان
هامش
( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 167 - 168 .