تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
إن المراد النفس ، فأمرنا بقتال من يلينا ، لأنها أقرب شيء الينا وأقرب شيء إلى الإنسان نفسه . قال ابن الصلاح في فتاويه : وقد وجدت عن الإمام أبي الحسن الواحدي أنه صنّف أبو عبد الرحمن السلمي « حقائق التفسير » فان اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر . قال : وأنا أقول : الظن بمن يوثق به منهم إذا قال شيئا من أمثال ذلك أنه لم يذكره تفسيرا ، ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة المذكورة في القرآن العظيم ، فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية ، وانما ذلك منهم ذكر لنظير ما ورد به القرآن ، فان النظير يذكر بالنظير ، فمن ذلك مثال النفس في الآية المذكورة فكأنه قال : أمرنا بقتال النفس ومن يلينا من الكفار ، ومع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا في مثل ذلك ، لما فيه من الإبهام والالتباس « 1 » . إن « التأويل » الذي لا يعتمد على « التفسير » هو التأويل المرفوض والمكروه ، فالاستنباط لا يعتمد على مجرد « التخمين » ولا على اخضاع النص لأهواء المفسر وأيديولوجيته مهما كانت النوايا حسنة ، وانما لا بد أن يستند الاستنباط إلى « حقائق » النص من جهة ، وإلى معطياته اللغوية من جهة أخرى ، ثم لا بأس بعد ذلك من الانتقال من « الدلالة » إلى « المغزى » دون الوثب مباشرة إلى « مغزى » يتعارض مع دلالة النص . ان هذه التفرقة بين التفسير والتأويل تجد شواهد لها في أقوال الجيل الأول من المسلمين . وقد مرّ بنا تقسيم ابن عباس التفسير إلى أربعة أقسام جعل منها قسما - هو القسم الثالث - لا يعلمه إلا اللّه وقد سبق أن ناقشنا هذا القسم في « الوضوح والغموض » . ويهمنا هنا أن نتوقف عند الأقسام الأخرى لدلالتها على التفرقة بين التأويل والتفسير . والقسم الأول هو الذي تعرفه العرب في كلامها « فهو الذي يرجع فيه إلى لسانهم ، وذلك شأن اللغة والاعراب » « 2 » أما القسم الثاني فهو ما لا يعذر أحد بجهالته - أي سواء كان على علم باللغة أم لا - : وهو ما تتبادر الأفهام إلى معرفة معناه من النصوص المتضمنة شرائع الأحكام ودلائل التوحيد ، وكل لفظ أفاد معنى واحدا جليا لا سواه يعلم أنه مراد اللّه تعالى . فهذا القسم لا يختلف حكمه ، ولا يلتبس تأويله ، إذ كل أحد يدرك معنى التوحيد من قوله تعالى :
( لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ )
، وأنه لا شريك له في الهيته ، وان لم يعلم أن « لا » موضوعة في اللغة للنفي ، و « الا » للاثبات ، وأن مقتضى هذه الكلمة الحصر ، ويعلم كل أحد بالضرورة أن مقتضى قوله تعالى :
( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ )
، ونحوها من الأوامر طلب ادخال ماهية المأمور به في
هامش
( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ص 170 - 171 . ( 2 ) المصدر السابق نفسه : ص 165 - 166 .