تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
الاختلاف في مجال التأويل الفقهي اختلافا من قبيل « الرحمة » والتخفيف عن هذه الأمة ، فان اختلاف « التأويل » في أقسام النص الأخرى يجب النظر اليه من نفس المنظور خاصة إذا اعتمد المؤوّل على كل أدوات تحليل النص ولم يكن استناده إلى مجرد الهوى أو الرأي الشخصي . إن مقاربة النص واكتشاف أسراره تبدأ بالقراءة الأولى ، ثم تثنّى بالقراءة التحليلية فتكتشف من خلالها « مفاتيح » النص ومرتكزاته الدلالية ، ومن خلال هذه المرتكزات يكتشف المؤوّل بعض أسرار النص ويظل النص قابلا للقراءة الجديدة . لكن القراءة « التأويلية » لا بدّ أن تعتمد على « استغراق » القارئ في عالم النص استغراقا شبه تام ، وبدون هذا الاستغراق تظل القراءة سطحية ، وتدور في اطار « التأويل » المكروه . لقد عبّر القدماء عن مثل هذا المنظور بلغتهم الخاصة ومن خلال تصوراتهم لضرورة وجود حالة من « التوحّد » بين القارئ والنص عبّروا عنه على النحو التالي : أصل الوقوف على معاني القرآن التدبر والتفكر . واعلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي حقيقية ، ولا يظهر له أسرار العلم من غيب المعرفة وفي قلبه بدعة أو اصرار على ذنب ، أو في قلبه كبر أو هوى ، أو حب دنيا ، أو يكون غير متحقق الايمان ، أو ضعيف التحقيق ، أو معتمدا على قول مفسر ليس عنده إلا علم الظاهر ، أو يكون راجعا إلى معقوله ، وهذه كلها حجب وموانع ، وبعضها آكد من بعض « 1 » . لا شك بعد هذا كله أن تفرقة الخطاب الديني المعاصر بين « التفسير » و « التأويل » تفرقة صحيحة ، ولكن توظيفها للإعلاء من شأن « التفسير » على حساب « التأويل » ليس في حقيقته إلا توجيه أيديولوجي يستند إلى بعض اتجاهات التراث من جهة ، ويهدف إلى تثبيت الواقع بتثبيت معنى النص ودلالته عند اجتهاد القدماء من جهة أخرى . إن هذا التوجيه الإيديولوجي لم يتوقف عند مفاهيم « التفسير » و « التأويل » ، بل إن سلوك علماء الدين الرسميين في شرح النص يتجاوز اطار « التفسير » إلى مجال « التأويل » ، ولكنه التأويل المكروه الذي ينطلق من أهواء ومصالح الأقلية التي يعملون في خدمتها . والاعلام الديني أكبر دليل على ذلك . وان كانت تلك قضية لا يتسع لها المجال هنا . ولكن إذا كان « التأويل » يعتمد على حركة ذهن المؤوّل في مواجهة النص ، ألا يفتح ذلك الباب واسعا على مصراعيه للخلافات التي تؤدي إلى الشقاق بين صفوف الأمة من جهة ، ويفتح الباب للتأويلات الإيديولوجية من جهة أخرى ؟ والجواب عن الشق الأول من السؤال هو : ان الشقاق بين صفوف الأمة شقاق له جذوره في تعارض المصالح بين
هامش
( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 180 - 181 .