تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
المستغلّين ، بين الطبقات التي تجد مالا تنفقه وبين المستغلّين من الطبقات التي لا تجد ما تنفقه على حد تعبير طه حسين . ومن شأن هذا الشقاق الاقتصادي الاجتماعي أن يصوغ نفسه على مستوى الفكر السياسي صياغة أيديولوجية . ومعنى ذلك أن خلافات « التأويل » ليست هي التي تبذر بذور الشقاق و « الفتنة » كما يحلو للخطاب الديني الرسمي أن يقول متجاوبا مع الخطاب السياسي للطبقات المسيطرة تجاوبا يصل إلى حد التطابق . ان اختلاف « التأويل » نتيجة للشقاق والتعدد الإيديولوجي وليس سببا . من هذا المنطلق يكتسب هذا الخلاف مشروعيته ، ويكون خلافا « اجتهاديا » لا يقل في مشروعيته عن اختلاف الفقهاء في مجال الأحكام الشرعية ، وذلك إذا كان « التأويل » مستكملا للشروط الموضوعية العلمية ، وليس مجرد اخضاع النصّ للأهواء الإيديولوجية . وليس معنى ذلك أن « التأويل » الموضوعي للنص الديني - أو للنص الأدبي - مطلبا عسير التحقيق كما تبالغ بعض اتجاهات فلسفة « التأويل » المعاصر ، فنفي الموضوعية في حقيقته تكريس للذاتية . إن الموضوعية التي يمكن تحقيقها في « تأويل » النصوص الموضوعية الثقافية المرهونة بالزمان والمكان لا الموضوعية المطلقة التي ثبت أنها مجرد « وهم » من ابداع « أيديولوجية » الغرب الاستعماري . إن هذه الموضوعية الثقافية تتحقق بتحري القارئ استخدام كل طرائق التحليل وأدواته لاكتشاف دلالة النص كما تتحقق من خلال « استغراق » المؤوّل في أعماق النص سعيا لسبر أغواره . ولا على المؤوّل تثريب بعد ذلك أن تتطور أدوات التحليل وطرائقه في عصر تال وتكتشف في النص جوانب لم تكتشف قبل ذلك . إن حركة النص في الزمان والمكان ليست إلا حركة في واقع حي متطور ، واكتشاف دلالات جديدة للنصوص لا يعني اسقاط الدلالات التي اكتشفت قبل ذلك من هذه النصوص . وفي مجال النصوص الدينية بشكل خاص حيث يتحول اختلاف التأويل إلى صراع يخفي أسباب الصراع الحقيقية في الواقع والمجتمع ينبغي أن يتسلح المؤوّل بكل أسلحة الفقيه الحقيقي . لقد كان الفقهاء على وعي دائم بحركة الواقع وتغيّره في الزمان والمكان ، كما كانوا على وعي بضرورة توسيع دلالات النصوص لتلائم حركة الواقع . وكان هذا التوسيع يتم عبر قناتي « الاجتهاد » و « القياس » . وإذا كان الفقهاء القدماء قد وضعوا أمام أعينهم مبدأ « رعاية مصالح الأمة » ، فان المؤوّل الحديث عليه أن يفهم هذا المبدأ فهما علميّا . وإذا كانت مصالح الأمة الآن يتحتم أن تعني مصالح الأغلبية لا مصالح الأقلية ، فان موقف المؤوّل الذي يرعى مصالح الأقلية هو الموقف الجدير بالرفض ، ويكون تأويله هو التأويل المتعارض مع مقاصد الوحي وأهداف الشريعة .
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 240 | نصر حامد أبو زيد