الوجود ، وان لم يعلم أن صيغة « افعل » مقتضاها الترجيح وجوبا أو ندبا ، فما كان من هذا القسم لا يقدر أحد أن يدّعي الجهل بمعاني ألفاظه ، لأنها معلومة لكل أحد بالضرورة « 1 » .
إن هذه التفرقة بين « ما تعرفه العرب في كلامها » وبين « ما لا يعذر أحد بجهالته » هي في حقيقتها تفرقة بين مستويات النص من حيث طريقته في انتاج الدلالة ، فهناك قسم تنكشف دلالته للقارئ العادي ولا يحتاج من القارئ سوى أن يكون من أبناء اللغة ، وهذا القسم الدال بالنسبة للقارئ العادي « لا يعذر أحد بجهالته » . وهناك قسم آخر يحتاج من القارئ أن يكون على معرفة بعلوم اللغة حتى يتمكن من اكتشاف دلالته ، وهذا هو القسم الذي « تعرفه العرب في كلامها » . ومعنى ذلك أن ثمة مستويات لدلالة النص تتكافأ مع مستويات القراء ، وذلك يجعل النص نصا عاما . ومن الممكن لنا أن نعيد صياغة هذا المفهوم بلغة معاصرة فنقول إن النص « دال » بالنسبة للقارئ العادي ، ولكن مستوى دلالته هنا تقف عند حدود « السطح » ، ويتجاوز القارئ الممتاز هذا المستوى السطحي إلى مستوى دلالي أعمق إذا كان على علم بقوانين اللغة تمكّنه من تحليل معطيات النص تحليلا لغويا . ولكن ثمة مستوى ثالث يتجاوز التحليل اللغوي إلى اكتشاف الأبعاد الدلالية الأعمق للنص . وهذا المستوى هو ما يمثله القسم الرابع الذي « يعلمه العلماء خاصة » . والفارق بين هذا القسم وبين القسم « الذي تعرفه العرب من كلامها » هو الفارق بين التأويل والتفسير :
والرابع . ما يرجع إلى اجتهاد العلماء ، وهو الذي يغلب عليه اطلاق التأويل ، وهو صرف اللفظ إلى ما يؤول اليه ، فالمفسر ناقل ، والمؤوّل مستنبط ، وذلك استنباط الأحكام ، وبيان المجمل ، وتخصيص العموم « 2 » .
ولا شك أن هذه التفرقة بين مستويات الدلالة التي ينكشف بها النص لأفق القارئ تفرقة تؤكد دور القارئ في كشف دلالة النص . وإذا كانت هذه التفرقة تجعل دور القارئ سلبيا « فان التفرقة بين « التفسير » و « التأويل » وقصر التفسير في « الرواية » واطلاق التأويل على « الدراية » يعطي للقارئ - أو المؤوّل - دورا نشطا في اكتشاف دلالة النص ، وهو دور لا يقتصر على حدود العلم بعلوم القرآن وعلوم اللغة فقط ، بل يتجاوزهما إلى الاجتهاد للترجيح الدلالي حين يصل تكثيف الدلالة - فيما يطلق عليه القدماء اسم الاحتمال - إلى مستوى يتجاوز أفق القارئ العادي والمفسر معا .
هامش
( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 165 - 166 .
( 2 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 166 .