تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
وفي عصرنا هذا الذي خضع فيه الفكر الديني لأهواء الحكام ، وتحول فيه دور الفقيه من رعاية مصالح الأمة إلى تبرير سلوك الحكام ورعاية مصالح الطبقات المستغلّة المسيطرة يتعين إعادة النظر في مفهوم « الاجماع » فلا يكون اجماع « أهل الحل والعقد » هو الاجماع الذي يعمل به ، ذلك أن « أهل الحل والعقد » في عصر سيطرة وسائل الاعلام هم من يملكون هذه الوسائل بحكم سيطرتهم على مقدرات المجتمع ، وعلى ذلك يكون الفقهاء الممثّلين لهم معبرين عن مصالحهم . ان الاجماع الذي يجب أن يعتدّ به في « تأويل » النصوص الدينية يجب أن يستند إلى مناخ ديمقراطي شعبي حقيقي بحيث يكون معيار « الاجماع » هو الأغلبية المعبّرة عن القوى المختلفة ، ويكون معيار « مصالح الأمة » هو معيار مصلحة الأغلبية . وهذا كله من شأنه أن يكون المؤوّل منتميا لمصالح الأغلبية معبرا عنها ، وأن يكون على دراية لا بالعلوم النقلية التقليدية فحسب ، بل بكل العلوم التي تساعده على فهم الواقع وادراك حركته ، وتحديد ما ينبغي أن يكون عليه موقفه الحقيقي - بوصفه فقيها - من هذا الواقع ومن القوى المتصارعة فيه . هذا موقف أوّلي لا غناء للمؤوّل عنه إذا أراد أن يتجاوز موقف الخطاب الديني الرسمي المعبر عن مصالح الأقلية من جهة ، وإذا أراد أن يتجاوز « التأويل » الإيديولوجي السطحي من جهة أخرى . إن العلوم نقلية كانت أم عقلية ، قديمة كانت أم حديثة ، مجرد أدوات للتأويل ، وهي أدوات لا بد من استيعابها ، وأهمّها أدوات التحليل اللغوي . ويظل « عقل » القارئ أو المؤوّل ذا دور أساسي في حركة التأويل ، لذلك لا بدّ أن يكون الوعي وعيا أصيلا بحركة التاريخ واتجاه المستقبل حتى لا يتحول دور المفكر والمؤوّل إلى أن يكون مجرد حافظ « غير فقيه » . لقد كان عدم الوعي بمصالح الأمة الحقيقية في الماضي هو الذي أدى بكثير من العلماء أن يكونوا في خدمة سلاطين زمانهم . ولا شك أن الخطاب الديني الرسمي في محاولته أن يضفي على ذاته صفة القداسة والاطلاق يجد في اجتهادات أمثال هؤلاء العلماء مرتكزا لتأويلاته الإيديولوجية المعاصرة . وذلك ما نود أن نكشف عنه في الباب الثالث والأخير من هذه الدراسة .
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 241 | نصر حامد أبو زيد