وفي تفرقة العلماء بين التفسير والتأويل اصطلاحيا يمكن أن نتلمس بعض جوانب هذه التفرقة اللغوية . من هذه الجوانب أنهم يقصرون التفسير أحيانا على الجوانب المختلفة الخارجية للنص دون النص ذاته ، فيكون التفسير : - هو علم نزول الآية وسورتها وأقاصيصها ، والإشارات النازلة فيها ، ثم ترتيب مكيّها ومدنيّها ، ومحكمها ومتشابهها ، وناسخها ومنسوخها ، وخاصها وعامها ، ومطلقها ومقيدها ومجملها ومفسرها . وزاد فيها قوم : علم حلالها وحرامها ، ووعدها ووعيدها ، وأمرها ونهيها ، وعبرها وأمثالها ، وهذا الذي منع فيه القول بالرأي :
وأما التأويل فأصله في اللغة من الأول ، ومعنى قولهم : ما تأويل هذا الكلام ؟ أي إلام تؤول العاقبة في المراد به . . . ويقال : آل الأمر إلى كذا ، أي صار اليه . . . وأصله من المآل ، وهو العاقبة والمصير ، وقد أوّلته فآل ، أي صرفته فانصرف ، فكأن التأويل صرف الآية إلى ما تحمله من المعاني . . . وقيل : أصله من الايالة ، وهي السياسة ، فكأن المؤوّل للكلام يسوس الكلام ويضع المعنى فيه موضعه « 1 » .
إن التفسير هنا يبدو خاصا بالجوانب العامة الخارجية للنص ، مثل العلم بأسباب النزول والقصص والمكي والمدني والناسخ والمنسوخ ، وهي كلها علوم نقلية تعتمد على الرواية عند القدماء ، ولا مجال فيها للاجتهاد سوى الترجيح بين الروايات أو محاولة الجمع بينها كما رأينا في الفصول السابقة . وليست الإشارة إلى العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمفسر هنا إشارة إلى جوانب دلالية اجتهادية للمفسر دور في تحديدها ، بل إشارة إلى « العلم » بما قاله القدماء حول هذه القضايا . ونفس الأمر ينطبق على علم الحلال والحرام والوعد والوعيد والأمر والنهي والعبر والأمثال . إن علم التفسير يبدو من خلال هذا الحصر علما يجمع كل العلوم الممهّدة للتأويل الذي يمثل في التعريف السابق جهد المؤوّل في « صرف » الآية إلى ما تحتمله من المعاني . وعلى ذلك يكون « التفسير » جزءا من عملية « التأويل » ، وتكون العلاقة بينهما علاقة الخاص بالعام من جهة ، أو علاقة « النقل » بالاجتهاد من جهة أخرى ، وهي العلاقة التي يعبر عنها القدماء بأسماء « الرواية » و « الدراية » :
والتفسير إما أن يستعمل في غريب الألفاظ ، كالبحيرة والسائبة والوصيلة ، أو في وجيز مبيّن بشرح كقوله :
( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ )
، وأما في كلام مضمن بقصة لا يمكن تصويره إلا بمعرفتها ، كقوله :
( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ )
، وقوله :
( وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها )
، وأما التأويل فإنه يستعمل مرة عاما ، ومرة خاصا ، نحو « الكفر »
هامش
( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 148 - 149 .