تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
« المتشابه » أم إلى « الكتاب » أو إلى أي كلمة أخرى من الكلمات التي سبقت الإشارة إليها . إن التأويل حركة تستهدف العلم والمعرفة كما يتبين من سياق النص التالي :
وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ . أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ
« 1 » . وإذا كان بعض المفسرين يذهب إلى أن المقصود بالتأويل « ما يؤول اليه أمرهم في التكذيب به من العقوبة » وذلك بدلالة
« فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ »
أي بدلالة السياق ، فان « الهاء » في « علمه » وفي « تأويله » تعود لا شك إلى « الكتاب » أو « القرآن » . وعلى ذلك يمكن أن يكون التأويل في الآية بمعنى « العاقبة » استنادا إلى نهاية الآية ، ويمكن أن يكون بمعنى التفسير وذلك استنادا إلى علاقة الآية بالآيات السابقة عليها . ولا تعارض بين الدلالتين ما دامت دلالة « التأويل » حركة ذهنية لاكتشاف ظاهرة ما . والآية تؤكد هذه الدلالة بالمقابلة بين « عدم الإحاطة بعلم » الموضوع وبين « عدم اتيان تأويله » فأضافت نفس الضمير إلى « العلم » مرة وإلى « التأويل » مرة أخرى . وسواء كان الموضوع « الكتاب » أم « اليوم الآخر » فان الدلالة واحدة للتأويل ، وهي محاولة الوصول إلى « العلم » بظاهرة من الظواهر عن طريق حركة « النظر » أو الفكر الانساني . وهذا الفهم لدلالة « التأويل » يجعل من « التأويل » عملية أوسع من « التفسير » . ولكن قبل أن ننتقل لمناقشة مغزى هذا الاتساع من الضروري أن نتوقف عند الدلالات الاصطلاحية للكلمتين .

2 - الدلالة الاصطلاحية

لاحظنا في التفرقة اللغوية بين « التفسير » و « التأويل » أن ثمة فارقا هاما بينهما يتمثل في أن عملية « التفسير » تحتاج دائما إلى « التفسرة » وهي الوسيط الذي ينظر فيه المفسر فيصل إلى اكتشاف ما يريد ، في حين أن « التأويل » عملية لا تحتاج دائما هذا الوسيط ، بل تعتمد أحيانا على حركة الذهن في اكتشاف « أصل » الظاهرة ، أو في تتبع « عاقبتها » . وبكلمات أخرى يمكن أن يقوم « التأويل » على نوع من العلاقة المباشرة بين « الذات » و « الموضوع » ، في حين أن هذه العلاقة في عملية « التفسير » لا تكون علاقة مباشرة ، بل تكون من خلال وسيط قد يكون نصا لغويا ، وقد يكون « شيئا » دالا ، وفي كلتا الحالتين لا بد من وسيط بمثل « علامة » من خلالها تتم عملية فهم الموضوع من جانب الذات .
هامش
( 1 ) سورة يونس : الآيات : 37 - 39 .