وإذا كان الرجوع إلى الأصل حركة عكسية ، فان الوصول إلى هدف وغاية حركة متطورة نامية ، وعلى ذلك المعنى جاء « التأوّل » في بيت الأعشى :
على أنها كانت تأوّل حبها * تأوّل ربعي السّقاب فأصحبا
ويفسر أبو عبيدة البيت بأن « حبها كان صغيرا في قلبه فلم يزل يثبت حتى أصحب فصار قديما كهذا السقب الصغير لم يزل يشب حتى صار كبيرا مثل أمه وصار له ابن يصحبه » . ومعنى التأوّل على هذا التفسير التّعهّد والرعاية الذي ينقل الشيء من حالة إلى حالة في حركة متطورة . « 1 » وهذه هي الدلالة التي يشير إليها صاحب اللسان بقوله : « آل ماله إيالة إذ أصلحه وساسه . والائتيال : الاصلاح والسياسة » . وعلى ذلك يكون « التأويل » متابعة الشيء بالسياسة والاصلاح حتى يصل إلى غايته ومنتهاه . ومن هذه الدلالة ورد الاستخدام القرآني للتأويل بمعنى « العاقبة » كما في الآيات التالية :
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
« 2 » .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ، فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
« 3 » .
ومن المهم أن نلاحظ هنا أن كلمة « تأويل » منقطعة عن الإضافة لا بسبب موقعها الاعرابي فحسب ، بل بسبب استخدامها الدلالي أيضا ، وذلك على عكس سياق استخدامها في الآيات الأخرى حيث تأتي دائما مضافة اما إلى اسم ظاهر أو إلى ضمير .
ولكن إذا كانت الكلمة تعني « الرجوع إلى الأصل » وتعني أيضا « الوصول إلى الغاية » والعاقبة فان الذي يجمع بين الدلالتين هو دلالة الصيغة الصرفية « تفعيل » على الحركة ، وهي دلالة أغفلها اللغويون في تحليلهم المعجمي ، لذلك يمكن لنا القول أن « التأويل » حركة بالشيء أو الظاهرة إما في اتجاه « الأصل » بالرجوع أو في اتجاه الغاية « والعاقبة » بالرعاية والسياسة . لكن هذه الحركة ليست حركة مادية ، بل هي حركة ذهنية عقلية في ادراك الظواهر . والدليل على ذلك أن كل الاستخدامات التي ناقشناها حتى الآن تضيف « التأويل » إلى « الأحاديث » أو إلى « الأحلام » أو « الرؤية » أو إلى « الحب » أو « الفعل » ، والتأويل المضاف
هامش
( 1 ) اللسان ، وقد أخطأ أبو عبيدة حين قال « تأوّل حبها أي تفسيره ومرجعه » ، لأن ذلك يتناقض مع فهمه للبيت .
( 2 ) سورة الأسراء ، الآية 35 .
( 3 ) سورة النساء ، الآية 59 .