تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
إلى كل هذه الألفاظ يعني حركة « ذهنية » لاكتشاف الأصل « بالرجوع » أو للوصول إلى الغاية « بالسياسة » . وإذا كان التأويل حركة ذهنية لادراك الظواهر ، أمكن لنا أن نفهم الآية المشكلة في الفكر الديني وهي آية المحكم والمتشابه ، وهي قوله تعالى : -
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
. فالآية تتحدث عن حركة « اتباع » - وهي حركة ذهنية لا مادية - للمتشابه وذلك لتحقيق هدفين ، وذلك بدلالة المفعول لأجله « ابتغاء » ، هما « الفتنة » و « التأويل » . ومعنى ذلك أن الحركة الذهنية حركة في اتجاه « هدف » و « غاية » ، لأنها حركة « اتباع » لا « رجوع » ولذلك فالمعنى هنا المقصود من « التأويل » هو الوصول إلى الغاية . وهذا المعنى يتجاوب مع « ابتغاء الفتنة » ، فالغاية من اتباع المتشابه ايقاع الفتنة والوصول إلى غايته وعاقبته . ومن الطبيعي أن يكون الوقف في قراءة باقي الآية عند اسم الجلالة « اللّه » وأن تكون الجملة التالية لها « والراسخون في العلم يقولون » جملة مستأنفة ، ويكون العطف على سبيل المقابلة بين حالتين وفريقين . إن خطأ القدماء في فهم الآية - ومن ثم خلافهم حولها - يرتد إلى خطأ فهم دلالة « التأويل » من جهة ، وإلى خطأ في استنتاج أن الآية تضع قانونا عاما للمتشابه من جهة أخرى . ان التأويل المنهي عنه بفحوى الخطاب هو التأويل الذي يستهدف الفتنة ، والتأويل الذي لا يعلمه إلا اللّه هو « الغاية » و « العاقبة » المجهولة للبشر « 1 » . وإذا كانت كلمة « التأويل » في الآية السابقة وردت مضافة إلى « الهاء » الدالة على « المتشابه » فلعل هذه الإضافة هي التي جعلت المفسرين يقصرون معنى التأويل على « التفسير » ، ويفهمون من الآية أن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا اللّه ، وأن « التأويل » منهي عنه بفحوى الخطاب أي بدلالة الوصف « في قلوبهم زيغ » . إن فهم « التأويل » بوصفه حركة ذهنية في مواجهة ظاهرة هو الفهم الأقرب إلى الاستخدام القرآني ، سواء أضيفت الكلمة إلى
هامش
( 1 ) هذا الفهم الذي نطرحه هنا للآية يخالف فهما سابقا لنا طرحناه في مكان آخر من جانبين : الأول أن سبب النزول بناء على هذا الفهم يتحتم أن يكون محاولة اليهود معرفة مدة حكم الاسلام من خلال تأويل الحروف المقطعة في أوائل السور على حساب الجمل ، الجانب الثاني أننا هنا نرجّح قراءة الآية على الوقف والاستئناف ، ولكنا لا نستنتج من ذلك - كما فعل القدماء - كراهية التأويل أو استئثار اللّه بعلمه . انظر الفهم السابق في : الاتجاه العقلي في التفسير ، ص 142 - 143 .