تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا « 1 » . إن معنى « التأويل » هنا الكشف عن الدلالة الخفية للأفعال ، وهذه الدلالة الخفية الباطنة لا تنكشف إلا من خلال « أفق » غير عادي هو « العلم اللّدنّي » الذي أوتيه العبد الصالح . ولا شك أن اعتراض « موسى » على هذه الأفعال لم يكن اعتراضا ناشئا عن « الجهل » بدلالتها جهلا مطبقا ، فالجهل المطبق من شأنه - مع التسليم بعلم الآخر - أن يؤدي إلى الصمت وانتظار « التأويل » . لقد كان اعتراض موسى نابعا من « تأويل » هذه الأفعال بناء على « أفقه » الفكري وعلمه . ومن خلال هذا الأفق بدت له الأفعال قبيحة - إذا شئنا استخدام المصطلح الكلامي - حتى جاء « التأويل » النابع من أفق آخر وبيّن له حسنها . إن الكشف عن الدلالة الخفية « الباطنة » للأفعال - أو تأويلها - معناه الكشف عن أسبابها الحقيقة ، والكشف عن الأسباب الحقيقة بمثابة الكشف عن الأصول ، وهذا يتطابق مع الاشتقاق اللغوي لكلمة « تأويل » من « الأول » بمعنى الرجوع « آل الشيء يؤول أولا ومآلا : رجع . وأوّل اليه الشيء : رجّعه ، وألت عن الشيء : ارتددت . وفي الحديث : « من صام الدهر فلا صام ولا آل أي لا رجع إلى خير » « وأما التأويل فهو تفعيل من أوّل يؤوّل تأويلا وثلاثيه آل يؤول أي رجع وعاد » « 2 » . إن معنى التأويل اذن هو العودة إلى أصل الشيء ، سواء كان فعلا أو حديثا ، وذلك لاكتشاف دلالته ومغزاه . هكذا « أوّل » العبد الصالح أفعاله بالكشف عن أسبابها وعللها الحقيقية ، وهكذا يستطيع يوسف أن يكشف عن « أصل » الطعام ومصدره قبل أن يأتي ، وهكذا أيضا يستطيع مؤوّل الحلم أن يكشف عن « الأصل » الحقيقي الذي يختفي وراء الصور التي يراها النائم . إن لكل حدث أو فعل أو حديث « ظاهرا وباطنا » ، والباطن لا ينكشف إلا « بالتأويل » الذي يردّ « الظاهر » إلى أصوله وأسبابه الحقيقية . لكن كلمة « تأويل » كما تعني الرجوع إلى الأصل تعني أيضا الوصول إلى هدف وغاية ،
هامش
( 1 ) الآيات : 78 - 82 . ( 2 ) اللسان ، مادة « أول » ، ولقد كانت آيات سورة « الكهف » مجالا خصبا « للتأويل » سواء عند المتكلمين أو عند المتصوفة ، فقد ناقشها المتكلمون من منظور « الحسن والقبح » في الأفعال هل هما ذاتيان يمكن للعقل الوصول اليهما ، أم أن « الشرع » هو الذي يقبّح ويحسّن ، أما المتصوفة فقد وجدوا في الآيات مجالا خصبا لتأكيد التغاير بين الظاهر والباطن على جميع المستويات ، ولتأكيد أن العلم بالباطن لا يتم إلا بالسلوك الصوفي .