تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
وحين يشير يوسف إلى « حلمه » هو بعد تحققه يشير اليه باسم « الرؤيا » ورفع أبويه على العرش وخرّوا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا « 1 » . لكن مفهوم التأويل في الاستخدام القرآني ليس قاصرا على « الأحاديث » المرتبطة بالرؤى والأحلام ، فان يوسف يقول لرفقائه في السجن بعد أن أخبراه بما رأياه في النوم : -
قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ
« 2 » . ومعنى « التأويل » في هذا السياق الاخبار عن « حدوث » أمر قبل وقوعه بالفعل ، ويوسف هنا يؤكد لزملائه في السجن قدراته التأويلية التي لا تقتصر على تأويل الأحلام والأحاديث بل تتجاوز ذلك إلى الاخبار عن الأشياء قبل حدوثها . هل يمكن أن نستنتج من هذا الاستخدام أن تأويل الأحاديث يعتمد على وسيط أو « تفسرة » من خلالها يقوم المؤول باكتشاف الدلالة الخفية ، وأن هناك نمطا آخر من التأويل لا يحتاج للوسيط أو « التفسرة » ، بل يصل إلى دلالة « الحدث » وصولا مباشرا ويتنبأ به قبل وقوعه ؟ أليس في اصرار ربيعة بن مضر على عدم حكاية حلمه ، وعدم « الحديث » عنه ، وفي طلبه للمؤول القادر على تأويله تأويلا مباشرا ، ما يجعل هذا الاستنتاج استنتاجا مشروعا ؟ ويتجاوب مع هذا الاستخدام الذي يكون موضوع التأويل فيه « حدثا » لم يقع بعد ، تأويل « الأفعال » في سورة « الكهف » ذلك أن الأفعال التي قام بها العبد الصالح من « خرق السفينة » و « قتل الغلام » و « إقامة الجدار » بدت أفعالا غير ذات دلالة في نظر « موسى » ، بل بدت أفعالا تتناقض مع ما يبدو على الرجل الصالح من مظاهر العلم والصلاح والتقوى ، فكان اعتراض « موسى » عند كل فعل وما تبعه من تذكير العبد الصالح له بأن شرط المصاحبة بينهما ألا يسأل عن شيء حتى يتطوع هو بتفسيره له . وأخيرا يكون الفراق لعدم قدرة موسى على الصبر : قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا . أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا . وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدّلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما . وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما
هامش
( 1 ) الآية : 100 . ( 2 ) الآية : 37 .