نعلم من تأويل رؤيا ربيعة بن مضر التي قام بها كل من سطيح وشق بن أنمار « 1 » . وفي سورة « يوسف » نجد أن بناء السورة قائم على أساس « حلم يوسف » في بدايتها ، وهو الحلم الذي يتحقق « تأويله » في نهاية القصة ، هذا فضلا عن « حلم » الملك الذي يقوم يوسف بتأويله وكذلك يقوم بتأويل حلمي السجينين ، ويكون ذلك تحقيقا لنبوءة أبيه يعقوب بمستقبله حين يروي له حلمه الأول :
وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث « 2 » .
وليس « تأويل الأحاديث » إلا تأويل الأحلام ، وهذا واضح من استبدال كلمة « أحلام » بكلمة « أحاديث » في آية أخرى حين طلب الملك من حاشيته أن يفسروا له حلما رآه وأقلقه :
قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين « 3 » .
وإطلاق لفظ « حديث » على الحلم في سياق التأويل يرجع إلى أن المفسر أو المؤوّل لا يقوم بتأويل الحلم ذاته ، بل يقوم بتأويل « الحديث » الذي يقصه صاحب الحلم عن حلمه ، بمعنى أنه يقوم بتأويل العبارات اللغوية التي يصوغ بها صاحب الحلم الصور التي رآها في النوم ، فيكون التأويل هنا منصبا على الصور من خلال وسيط هو « الحديث » . ولعل ذلك يشرح لنا ما ترويه السيرة من اصرار ربيعة بن مضر على عدم حكاية رؤياه بنفسه قائلا :
إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها ، فإنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها « 4 » .
لذلك نجد في سياق قصة يوسف إضافة التأويل إلى الأحلام وإلى الأحاديث وإلى الرؤيا بدلالات متقاربة جدا ، يستوي في ذلك أن يكون المتحدّث يعقوب كما في الآية السادسة ، أو يكون المتحدث حاشية الملك كما في الآية السابقة ، أو يكون « المتكلم » بالنص كما في الآية :
وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى ان ينفعنا أو نتخذه ولدا ، وكذلك مكّنّا ليوسف في الأرض ولنعلّمه من تأويل الأحاديث واللّه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون « 5 » .
هامش
( 1 ) انظر : السيرة النبوية ، الجزء الأول ، ص 13 - 16 .
( 2 ) الآية : 6 .
( 3 ) الآية : 44 .
( 4 ) السيرة النبوية ، الجزء الأول ، ص 13 .
( 5 ) الآية : 21 .