وأما التفسير في اللغة ، فهو راجع إلى معنى الاظهار والكشف وأصله في اللغة من التفسرة ، وهي القليل من الماء الذي ينظر فيه الأطباء ، فكما أن الطبيب بالنظر فيه يكشف عن علة المريض ، فكذلك المفسّر ، يكشف شأن الآية وقصصها ومعناها ، والسبب الذي أنزلت فيه . . فالتفسير كشف المغلق من المراد بلفظه ، واطلاق للمحتبس عن الفهم به ، ويقال : فسّرت الشيء أفسره تفسيرا ، وفسرته أفسره فسرا ، والمزيد من الفعلين أكثر في الاستعمال ، وبمصدر الثاني منهما سمى أبو الفتح ابن جني كتبه الشارحة « الفسر » « 1 » .
لقد جاء استعمال كلمة « التفسير » في القرآن بمعنى البيان وذلك في قوله تعالى في سورة الفرقان :
« وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً »
« 2 » وذلك في مجال الرد على مشركي مكة الذين كثر العنت منهم على الرسول في التشكيك في نبوته ورسالته بأن وصفوا القرآن مرة بأنه « افك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون » ، ومرة بأنه « أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا » ثم هزءوا به فقالوا : « مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل عليه ملك فيكون معه نذيرا . أو يلقى اليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون ان تتبعون إلا رجلا مسحورا » . وكان تعليق القرآن على ذلك كله :
« انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا »
، فجعل القرآن من أقوالهم أمثالا يحاولون بها التشكيك في نبوة محمد ورسالته والتشكيك في القرآن . ولكن المشركين يواصلون أمثالهم
« وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا »
« وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا . وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً »
« 3 » والمعنى لا يأتونك بحجة الا جئناك بحجة أحسن بيانا من حجتهم ، وذلك أن ردود القرآن على اتهامات المشركين بمثابة حجج مضادة ، ولكنها أقوى من حيث وضوح دلالتها كما تكشف قراءة السورة من أولها حتى هذه الآية .
وقبل أن ننتقل من المعنى اللغوي للمعنى الاصطلاحي للتفسير من الضروري أن نتوقف عند تحليل الدلالة اللغوية لكلمة « تأويل » . ومن الضروري هنا الإشارة إلى أن كلمة « تأويل » وردت في القرآن سبع عشرة مرة في حين أن كلمة « تفسير » لم ترد سوى مرة واحد .
ولا شك أن هذا يدل على أن كلمة « تأويل » كانت أكثر دورانا في اللغة بشكل عام - وفي النص بشكل خاص - من دوران كلمة « تفسير » . ولعل السر وراء هذا الدوران أن « التأويل » كان مفهوما معروفا في الثقافة قبل الاسلام ارتبط بتفسير الأحلام أو « تأويل الأحاديث » كما
هامش
( 1 ) نفس المصدر السابق : ص 147 .
( 2 ) الآية : 33 .
( 3 ) الآيات : 4 ، 5 ، 7 ، 8 ، 9 ، 21 ، 32 - 33 .