تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
فمن الطبيعي أن ترتبط دلالة « السفر » بالتوراة . ولكن ما الذي يكشفه ويوضحه السفر أو الكتاب ؟ لا شك أن دلالة الكتاب مثل دلالة الكلام من حيث إنها تكشف عما كان مخبوءا أو مجهولا ، وهو ما يشير اليه القدماء دائما بقول الشاعر :
ان الكلام لفي الفؤاد وانما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا
فالكتاب يكشف ما كان خبيئا في القلب . وليس إلا « المعاني » النفسية أو الأفكار التي تدور في النفس . من هنا كان اشتقاق كلمة « المعنى » من المادة اللغوية « عنا » ومنها المعاناة والتّعنية بما تتضمنه من معنى « الحبس » و « الأسر » ، فكأن الكتاب وكذلك الكلام يكشفان الخبيء في القلب ويطلقانه من أسره داخل النفس . وهنا يتحول « الكتاب » إلى دليل للمعنى ، إلى « تفسرة » من خلالها يمكن اكتشاف المعنى ، كما يتمكن الطبيب بالنظر في « التفسرة » من اكتشاف المرض . إن الكتاب ( أو الكلام ) في مثل هذا التصور بمثابة « دليل » يومئ إلى مدلول هو « المعنى » فهو من حيث علاقته بالمعنى دال وكاشف ، لكنه من حيث علاقته بالقارئ أو المفسر يسمى « تفسرة » « 1 » . وعلى ذلك يستوي أن يكون التفسير مشتقا من « الفسر » أو من « السّفر » فدلالة المادتين واحدة في النهاية وهي الكشف عن شيء مختبئ من خلال وسيط ، يعد بمثابة علاقة دالة للمفسر من خلالها يتوصل إلى هذا الخبيء الغامض . لذلك ذهب ابن فارس إلى أن : معاني العبارات التي يعبّر بها عن الأشياء ، ترجع إلى ثلاثة : المعنى ، والتفسير ، والتأويل ، وهي وان اختلفت فالمقاصد بها متقاربة . فأما المعنى فهو القصد والمراد ، يقال عنيت بهذا الكلام كذا ، أي قصدت وعمدت . وهو مشتق من الاظهار ، يقال : عنت القربة ، إذا لم تحفظ الماء بل أظهرته ، ومنه عنوان الكتاب . وقيل مشتق من قولهم : عنت الأرض بنبات حسن ، إذا أنبتت نباتا حسنا « 2 » . ويربط الزركشي بين دلالة « المعنى » على الاظهار وبين دلالة « التفسير » عليه أيضا :
هامش
( 1 ) يمكن مقارنة هذا التصور الثلاثي للدال والمدلول والتفسرة بتصور بيرس الثلاثي للعلامة القائم على الموضوع والمصورة والمفسرة ، وذلك على أساس أن النص - الكتاب - يتحول في ذهن المفسر إلى سلسلة من العلامات تكون هي « التفسرة » أو « المفسرة » الموصلة إلى المعنى . انظر : تشارلز سوندرس بيرس : تصنيف العلامات : ص 138 - 139 . وانظر أيضا : سيزا قاسم : السيميوطيقا : حول بعض المفاهيم والأبعاد ، ص 17 . ( 2 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 146 .