النظر نفسه من جانب الطبيب ، وهو الفعل الذي يمكّنه من فحص المادة واكتشاف « العلة » .
إن المادة التي ينظر فيها الطبيب تمثل « الوسيط » الذي يستطيع الطبيب من خلال « النظر » فيه أن يكتشف العلة . ومعنى ذلك أن « التفسير » - وهو اكتشاف علة المريض - يتطلب المادة ( الموضوع ) والنظر ( الذات ) ، ولا يمكن لأي انسان أن يقوم بعملية التفسير هذه ، بل لا بد أن يكون « المفسر » طبيبا ، أي انسانا لديه معرفة ما بالعلل ومظاهرها وذلك حتى يتمكن من اكتشاف العلة من المادة ، أي حتى يتمكن من القيام بعملية التفسير . إن الطبيب الذي يفسر المادة لا يفسرها من فراغ ، بل يفسرها من خلال معرفة مسبقة تسمح بالتفسير ، وبدون هذه المعرفة المسبقة تتحول المادة إلى شيء لا دلالة له على الاطلاق .
وفي مادة « سفر » تقابلنا دلالات عديدة مركزها الانتقال والارتحال ، ويتفرع عن هذه الدلالة دلالة الكشف والظهور « وسمّي المسافر مسافرا لكشفه قناع الكن عن وجهه ، ومنازل الحضر عن مكانه ، ومنزل الخفض عن نفسه ، وبروزه إلى الأرض الفضاء ، وسمّي السّفر سفر لأنه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم فيظهر ما كان خافيا منها » . وبارتحال الليل يظهر الصبح فيقال : « سفر الصبح وأسفر : أضاء . وأسفر القوم : أصبحوا . وأسفر : أضاء قبل الطلوع . وسفر وجهه حسنا وأسفر : أشرق . وفي التنزيل العزيز : وجوه يومئذ مسفرة ، قال الفراء : أي مشرقة مضيئة . وقد أسفر الوجه وأسفر الصبح . قال : وإذا ألقت المرأة نقابها قيل : سفرت فهي سافر » .
ومن هذه المادة « السفير » وهو « الرسول والمصلح بين القوم ، والجمع سفراء » . ولعل هذه الدلالة ترتبط بمعنى الانتقال والحركة « سفرت بين القوم إذا سعيت بينهم في الاصلاح » ، لكن دلالة « السفر » بمعنى الكتاب و « السّفرة » بمعنى الكتبة ، وهما استعمالان وردا في القرآن ، حيث ورد الثاني في قوله تعالى « بأيدي سفرة كرام بررة » وورد الأول في قوله :
« كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً »
يمكن شرحهما على النحو التالي : « قال ابن عرفة : سمّيت الملائكة سفرة لأنهم يسفرون بين اللّه وبين أنبيائه ، قال أبو بكر : سمّوا سفرة لأنهم ينزلون بوحي اللّه وباذنه وما يقع به الصلاح بين الناس ، فشبهوا بالسفراء الذين يصلحون بين الرجلين فيصلح شأنهما .
وفي الحديث : مثل الماهر بالقرآن مثل السّفرة ، هم الملائكة جمع سافر ، والسافر في الأصل الكاتب ، سمي به لأنه يبيّن الشيء ويوضحه » . وبناء على هذا الشرح يكون معنى « السفرة » مرتبطا بدلالة الكشف والبيان إلى جانب ارتباطه بالحركة والانتقال . وعلى ذلك يكون « السفر » هو الكتاب ، وتكون الكلمتان « سفر » و « سافر » بمعنى كتاب وكاتب ، ويرتد كلاهما إلى معنى الكشف والبيان « قال الزجّاج : قيل للكاتب سافر ، وللكتاب سفر ، لأن معناه أنه يبين الشيء ويوضحه » . وإذا كان السفرة هم الملائكة الذين ينزلون بالوحي على الأنبياء ،