إن تفسير « الرعد » بأنه ملك يسوق السحاب بسوطه يمكن أن يكون تفسيرا يرتد إلى خطأ في الدليل والمدلول معا ان شئنا أن نستخدم منهج « أهل السنة » في النقد ، ولكنا مع ذلك نرى أن هذا التفسير تفسير مشروع في اطاره الزماني والثقافي . والمفسّر الحديث حين يدافع عن هذا التفسير يجد نفسه في صدام مباشر مع حقائق العلم فيلجأ للالتفاف « التأويلي » . وذلك حين يذهب مثلا إلى أن التفسير العلمي لظاهرة « الرعد » لا يتناقض مع كون الملائكة « جنود اللّه » التي لا يعلم عددها إلا هو ، فلعل هناك ملكا موكلا بإحداث الرعد حين تتوفر أسبابه وشروطه . وحين يود أن يضفي على تفسيره صفة « العقلانية » يلجأ إلى نقد سند الرواية التي ورد فيها هذا التفسير دون أن يعي أن نفي نسبتها إلى ابن عباس أو إلى غيره من الصحابة لا ينفي نسبتها إلى العصر ذاته .
إن الخطأ الجوهري في موقف « أهل السنة » قديما وحديثا هو النظر إلى حركة التاريخ وتطور الزمن بوصفها حركة نحو « الأسوأ » على جميع المستويات ، ولذلك يحاولون ربط « معنى » النص ودلالته بالعصر الذهبي ، عصر النبوة والرسالة ونزول الوحي ، متناسين أنهم في ذلك يؤكدون زمانية الوحي لا من حيث تكوّن النص وتشكّله فقط ، بل من حيث دلالته ومغزاه كذلك . وليس هذا مجرد خطأ « مفهومي » ولكنه تعبير عن موقف أيديولوجي من الواقع ، موقف يساند التخلف ويقف ضد التقدم والحركة . ولذلك يرتّبون أمهات مآخذ التفسير في أربعة ، تبدأ بالأخذ عن الرسول ، رغم ما قاله أحمد بن حنبل عن مرويات التفسير من ضعف في طرق تحملها وأدائها ، ثم الأخذ بقول الصحابي ، ثم الرجوع إلى أقوال التابعين ، ثم يأتي في الرتبة الرابعة والأخيرة التفسير اللغوي « 1 » .
إن التفرقة بين « التفسير » و « التأويل » ورفع مكانة « التفسير » على حساب « التأويل » تعد جزءا من هذا الخطأ في فهم « أهل السنة » وفي موقفهم الفكري قديما وحديثا ، ولذلك يتعين علينا أن نحدد الفرق بين المفهومين ونحدد مجالات استخدام كل منهما .
1 - بين التفسير والتأويل ( الدلالة اللغوية )
هناك خلاف بين اللغويين حول الأصل الاشتقاقي لكلمة « تفسير » هل هي من « فسر » أم من « سفر » . وإذا كان « الفسر » كما ورد في اللسان « نظر الطبيب إلى الماء و « التفسرة » هي « البول الذي يستدلّ به على المرض ، وينظر فيه الأطباء يستدلون بلونه على علة العليل » فنحن إزاء أمرين : المادة التي ينظر فيها الطبيب للكشف عن العلة وهي « التفسرة » ، وفعل
هامش
( 1 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 179 ، والزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 156 - 161 .