حتى يصح الاستناد إلى سلطتهم في فهم النص .
والخلاف بين السلف في التفسير قليل وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد « 1 » .
لكن هذا « التأويل » لخلاف القدماء لا يحل كثيرا من الاشكاليات الموجودة في التفسير المأثور ، سواء في ذلك ما ينسب إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم أم ما ينسب إلى الصحابة ، خاصة ما ينسب إلى ابن عباس . إن فيما يروى من هذه التفاسير أن « الرعد » ملك يسوق السحاب ، وهو تفسير يروى من طرق عدة : - وأخرج أحمد والترمذي وصححه النسائي عن ابن عباس قال : أقبلت اليهود إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقالوا : أخبرنا عن الرعد ما هو ؟ قال : ملك من ملائكة اللّه موكّل بالسحاب بيده مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمره اللّه ، قالوا : فما هذا الصوت الذي نسمع ؟ قال :
صوته .
وأخرج ابن مردويه عن عمرو بن نجاد الأشعري قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : الرعد ملك يزجر السحاب والبرق طرف ملك يقال له روفيل .
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد اللّه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : ان ملكا موكلا بالسحاب يلم القاصية ويلحم الرابية في يده مخراق فإذا رفع برقت وإذا زجر رعدت وإذا ضرب صعقت « 2 » .
والتمسك بهذا التفسير بوصفه التفسير الوحيد الصحيح استنادا إلى سلطة القدماء يؤدي إلى ربط دلالة النص بالأفق العقلي والإطار الثقافي لعصر الجيل الأول من المسلمين .
وهذا الربط يتعارض تعارضا جذريا مع المفهوم المستقر في الثقافة من أن دلالة النص تتجاوز حدود الزمان والمكان . إن الاكتفاء بتفسير الأجيال الأولى للنص - وقصر دور المفسر الحديث على الرواية عن القدماء - يؤدي إلى نتيجة أخطر من ذلك في حياة المجتمع ، فإما أن يتمسك الناس بحرفية هذه التفاسير ويحولونها إلى « عقيدة » ، وتكون نتيجة ذلك الاكتفاء بهذه « الحقائق الأزلية » بوصفها حقائق نهائية ، والتخلي عن منهج « التجريب » في درس الظواهر الطبيعية والانسانية ، وإما أن يتحول « العلم » إلى « دين » ويتحول الدين من ثم إلى خرافات وخزعبلات وبقية من بقايا الماضي . وكلا الموقفين له وجود في واقعنا الثقافي نلمس آثاره في جدل « العلمانيين » و « رجال الدين » .
هامش
( 1 ) المصدر السابق ، ص 177 .
( 2 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 196 .