تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
أن الأولين كثيرا ما يغلطون في صحة المعنى الذي فسروا به القرآن كما يغلط في ذلك الآخرون ، وان كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق ونظر الآخرين إلى اللفظ أسبق . والأولون صنفان : تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به ، وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به . وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو اثباته من المعنى باطلا ، فيكون خطأهم في الدليل والمدلول ، وقد يكون حقا فيكون خطأهم في الدليل لا في المدلول . فالذين أخطئوا فيهما مثل طوائف من أهل البدع اعتقدوا مذاهب باطلة وعمدوا إلى القرآن فتأولوه على رأيهم ، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لا في رأيهم ولا في تفسيرهم ، وقد صنفوا تفاسير على أصول مذهبهم مثل تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم والجبّائي وعبد الجبار والرّمّاني والزمخشري وأمثالهم . ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة يدرس البدع في كلامه وأكثر الناس لا يعلمون كصاحب الكشاف ونحوه حتى أنه يروج على خلق كثير من أهل السنة كثير من تفاسيرهم الباطلة . وتفسير ابن عطية وأمثاله أتبع للسنة وأسلم من البدعة ، ولو ذكر كلام السلف المأثور عنهم على وجه لكان أحسن فإنه كثيرا ما ينقل عن تفسير ابن جرير الطبري - وهو من أجلّ التفاسير وأعظمها قدرا - ثم إنه يدع ما ينقله ابن جرير عن السلف ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين ، وانما يعني بهم طائفة من أهل الكلام الذين قرروا أصولهم بطرق من جنس ما قررت به المعتزلة أصولهم ، وان كانوا أقرب إلى السنة من المعتزلة ، لكن ينبغي أن يعطى كل ذي حق حقه ، فان الصحابة والتابعين والأئمة إذا كان لهم في الآية تفسير وجاء قوم فسروا الآية بقول آخر لأجل مذهب اعتقدوه ، وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة والتابعين صار مشاركا للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل هذا . وفي الجملة من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئا في ذلك بل مبتدعا لأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث اللّه به رسوله . وأما الذين أخطئوا في الدليل لا في المدلول فمثل كثير من الصوفية والوعاظ والفقهاء يفسرون القرآن بمعان صحيحة في نفسها لكن القرآن لا يدل عليها مثل كثير مما ذكره السلمي في الحقائق . فإن كان فيما ذكروه معان باطلة دخل في القسم الأول « 1 » . إن التفسير الصحيح - عند من يطلقون على أنفسهم اسم « أهل السنة » - قديما وحديثا - هو التفسير الذي يعتمد على سلطة القدماء . وبصرف النظر عن هذا التقسيم الشكلي إلى دليل ومدلول فان خلاف القدماء حول تفسير النص يحتاج إلى نوع من « التأويل »
هامش
( 1 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 178 .