قال صلّى اللّه عليه وسلم : « المتشبّع بما لم يعط كلابس ثوبي زورا » « 1 » .
وليس هذا المسلك في الفكر الديني الرسمي في حقيقته مغايرا لمسلك الاتجاهات الرجعية في التراث التي وصمت بدورها كل التأويلات المناقضة لتأويلاتها بأنها تأويلات « فاسدة » أو « مستكرهة » وأنها في أحسن الأحوال « تفسير بالرأي » المذموم والمنهي عنه من الرسول والصحابة . وقد تم تصنيف أصحاب هذه التأويلات بأنهم من أهل « البدع » وذلك في مقابلة « أهل السنة » والجماعة ، وهو تصنيف يستهدف مصادرة الفكر النقيض ومحاصرته وحبسه في دائرة « الكفر » في مقابل « الصدق » و « الايمان » الذي يومئ اليه مفهوم « أهل السنة » . وقد تم حصر هذا الفكر النقيض في اتجاهين : هما المعتزلة والمتصوفة . ويرجع خطأ المعتزلة في تأويل القرآن عند « أهل السنة » إلى خطأ في جانبي الدليل والمدلول ، بينما يرجع خطأ الصوفية إلى خطأ في الدليل دون المدلول ، بمعنى أن المعتزلة أخطئوا في الدلالات التي حملوا عليها ألفاظ القرآن فكان خطأهم نابعا من خطأ المعاني ومن الخطأ في حمل ألفاظ القرآن عليها . ويرتد خطأ المتصوفة إلى حمل ألفاظ القرآن على معان هي في ذاتها صحيحة ولكن الألفاظ لا تدل عليها ، فهو خطأ في المدلول دون الدليل . وإذا كان الأشاعرة - وهم خصوم المعتزلة - يذهبون إلى تأويل آيات الصفات فإنهم يشاركون المعتزلة في « بدعتهم » التأويلية ، وان كانوا أقرب إلى أهل السنّة لاتفاقهم معهم فيما سوى ذلك . إن معيار التفسير الصحيح عند من يطلقون على أنفسهم اسم « أهل السنّة » سواء في التراث أم في الفكر الديني الرسمي المعاصر هو ما ورد عن الرسول أو عن الصحابة الذين شهدوا نزول الوحي ، وكانوا أقرب من ثم إلى فهم دلالته ، فالتفسير عندهم لا بد أن يستند إلى « النقل » لأن الاستدلال يؤدي دائما إلى الخطأ في زعمهم :
وأما ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين حدثنا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم باحسان فان التفاسير التي يذكر فيها كلام هؤلاء صرفا لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين . . . ( إحداهما ) قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها ( والثاني ) قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده من كان من الناطقين بلغة العرب من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن والمنزّل عليه والمخاطب به ، فالأولون راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان ، والآخرون راعوا مجرد اللفظ وما يجوز أن يراد به من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم وسياق الكلام . ثم هؤلاء كثيرا ما يغلطون في احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة كما يغلط في ذلك الذين قبلهم ، كما
هامش
( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 152 .