الفصل الخامس التفسير والتأويل
إذا صح افتراضنا في مفتتح هذه الدراسة أن الحضارة العربية الاسلامية هي حضارة النص يصح أيضا أن نقول إنها حضارة « التأويل » ، وذلك أن التأويل هو الوجه الآخر للنص . وإذا كان مصطلح « التأويل » في الفكر الديني الرسمي قد تحول إلى مصطلح « مكروه » لحساب مصطلح « التفسير » فان وراء مثل هذا التحويل محاولة مصادرة كل اتجاهات الفكر الديني « المعارضة » سواء على مستوى التراث أم على مستوى الجدل الراهن في الثقافة .
إن وصم الفكر السائد للفكر النقيض بأنه فكر « تأويلي » يستهدف تصنيف أصحاب هذا الفكر في دائرة
« الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ »
. ويتجاوب مثل هذا التصنيف تجاوبا تاما مع الخطاب السياسي المباشر الذي يصم كل تحركات المعارضة أو الاحتجاج السياسي ضد قرارات السلطة التنفيذية بأنها تحركات تستهدف إثارة « الفتنة » . وفي مقابل ذلك يكون وصف « تأويلات » هذا الفكر الرسمي بأنها « تفسير » وصفا يستهدف اضفاء صفة « الموضوعية » و « الصدق » المطلق على هذه التأويلات . وكأن الإمام أبو القاسم محمد بن حبيب النيسابوري كان يعاني من أمثال هؤلاء من علماء السلطة والسلطان حين قال :
وقد نبغ في زماننا مفسرون لو سئلوا عن الفرق بين التفسير والتأويل ما اهتدوا اليه ، لا يحسنون القرآن تلاوة ، ولا يعرفون معنى السورة أو الآية ، ما عندهم الا التشنيع عند العوام ، والتكثر عند الطغام ، لنيل ما عندهم من الحطام ، أعفوا أنفسهم من الكدّ والطلب ، وقلوبهم من الفكر والتعب ، لاجتماع الجهّال عليهم ، وازدحام ذوي الأغفال لديهم ، لا يكفون الناس من السؤال ، ولا يأنفون من مجالسة الجهال ، مفتضحون عند السّبر والذواق ، زائغون عن العلماء عند التلاق ، يصادرون الناس مصادرة السلطان ، ويختطفون ما عندهم اختطاف السّرحان . يدرسون بالليل صفحا ويحكونه بالنهار شرحا ، إذا سئلوا غضبوا ، وإذا نفروا هربوا ، القحة رأس مالهم ، والخرق والطيش خير خصالهم ، يتحلون بما ليس فيهم ، ويتنافسون فيما يرذلهم ، الصيانة عنهم بمعزل ، وهم من الخنى والجهل في جوف منزل ، وقد