تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
وبين مجمل سياق البيت الثاني ، وهو تفاعل يمكن وضعه على النحو التالي : تولوا بغتة ف كأن بينا تهيبني ف فاجأني اغتيالا / ف / كان مسير عيسهم ذميلا وسير الدمع اثرهم انهمالا وعلينا أن نلاحظ التقابل بين « التولي » و « البين » وبين « المباغتة » و « التهيب » في الجملتين الأولى والثانية في البيت الأول ، ونلاحظ التقابل بين « المباغتة » وبين « المفاجأة » و « الاغتيال » في الجملتين الأولى والثالثة . والتقابل يرتد هنا إلى أن هذه الألفاظ تنتمي إلى مجال دلالي واحد . وفي البيت الثاني علينا أن ندرك التقابل - أو التوازن - بين « مسير العيس » و « سير الدمع » وبين « الذملان » و « الانهمال » ، والتوازن الذي يحققانه مع « التولي » وما نتج عنه من « تهيب » و « مفاجأة » و « اغتيال » ، وبذلك تتوازن استجابة « الذات » مع فعل « الجماعة » . ان العطف بالفاء داخل جمل البيت الأول وبين البيت الأول والثاني يحقق السرعة التي تتضافر مع دلالات الافعال والأحوال من جهة ومع سرعة العيس من جهة أخرى . والعطف بالواو بين جملتي البيت الثاني يحقق التوازن بين استجابة الذات وبين فعل الجماعة ، وهو توازن يتحقق كذلك عن طريق التقابل في التركيب اللغوي للجملتين . إن ما يقوله عبد القاهر عن التفاعل الدلالي على مستوى الجمل المكونة لكل بيت من جهة وعلى مستوى البيتين من جهة أخرى هام جدا بالنسبة لآليات النصوص في انتاج الدلالة بصفة عامة . وهو هام بصفة خاصة بالنسبة لتأويله لآيات سورة البقرة التي مر الحديث عنها خاصة الآية الأخيرة منها : -
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ . اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
. حيث يرى عبد القاهر أن استهزاء اللّه بهم ومده لهم في طغيانهم انما هو جزاء على مجموع قولهم « آمنا » وعلى استهزائهم بالمؤمنين حين يخلون إلى شياطينهم ، أي أنه جزاء مترتب على حكم الشرطين المعطوفين بالواو ، ولا يتعلق بالشرط الثاني منهما فقط كما قد يوهم العطف بينه وبين
« اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ »
لو كانت الآية وردت مورد العطف . ومعنى ذلك أن « العطف » كان يمكن أن يؤدي إلى خلل دلالي في تعلق الحكم بالفعل ، و « الفصل » يمنع هذا
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 212 | نصر حامد أبو زيد