الخروج معطوفا على الاستئذان المشروط بعودة الأمير . وعلى ذلك تكون دلالة النص محصلة لا لتراكم عدد الجمل المكونة له ، بل لتفاعل دلالتها في السياق . وتتضح هذه المسألة في فكر عبد القاهر بصورة أوضح وهو يكشف عن ذلك التفاعل الدلالي في أبيات المتنبي :
تولوا بغتة فكأن بينا * تهيّبني ففاجأني اغتيالا
فكان مسير عيسهم ذميلا * وسير الدمع اثرهم انهمالا
إن جملة « فكان مسير عيسهم ذميلا » في البيت الثاني ليست معطوفة على الجملة السابقة لها « ففاجأني اغتيالا » بل هي معطوفة على الجملة الأولى « تولوا بغتة » ، وليس معنى ذلك أنها معطوفة عليها معزولة عن الجمل التالية لها « فكأن بينا تهيبني ففاجأني اغتيالا » بل هي معطوفة على مجمل السياق الناتج عن التفاعل الدلالي بين الجمل الثلاث الموجودة في البيت الأول :
ألا ترى أن المعنى « تولوا بغتة » فتوهمت أن « بينا تهيبني » ، ولا شك أن هذا التوهم كان بسبب أن كان التولي بغتة . وإذا كان كذلك كانت مع الأولى كالشئ الواحد ، وكانت منزلتها منها منزلة المفعول والظرف وسائر ما يجيء بعد تمام الجملة من معمولات الفعل مما لا يمكن إفراده عن الجملة ، وأن يعتد كلاما على حدته . وهاهنا شيء آخر دقيق ، وهو أنك إذا نظرت إلى قوله : « فكان مسير عيسهم ذميلا » وجدته لم يعطف هو وحده على ما عطف عليه ، ولكن تجد العطف قد تناول جملة البيت مربوطا آخره بأوله ، ألا ترى أن الغرض من هذا الكلام أن يجعل توليهم بغتة وعلى الوجه الذي توهم من أجله أن البين تهيّبه مستدعيا بكاءه وموجبا أن ينهمل دمعه ، فلم يعنه أن يذكر ذملان العيس إلا ليذكر هملان الدمع وأن يوفق بينهما .
وكذلك الحكم في الأول ، فنحن وان كنا قلنا : ان العطف على « تولوا بغتة » فإنا لا نعني أن العطف عليه وحده مقطوعا عما بعده ، بل العطف عليه مضموما اليه ما بعده إلى آخره . وانما أردنا بقولنا ان العطف عليه أن نعلمك أنه الأصل والقاعدة ، وأن نصرفك عن أن تطرحه وتجعل العطف على ما يلي هذا الذي تعطفه فتزعم أن قوله « فكان مسير عيسهم » معطوف على « فاجأني » فتقع في الخطأ كالذي أريناك » « 1 » .
في هذا التحليل يكشف عبد القاهر عن وعيه بآليات النصوص في انتاج الدلالة ، فالعطف ظاهرة تتجاوز الربط بين الجمل المتجاورة لتكشف عن تفاعل دلالات الجمل داخل السياق . وفي البيتين السابقين تم مستويان للتفاعل الدلالي : المستوى الأول يتجلى من خلال التفاعل بين الجمل الثلاث في البيت الأول وبين جملتي البيت الثاني ، والمستوى الثاني يتجلى من خلال التفاعل بين البيتين ، أي من خلال التفاعل بين مجمل سياق البيت الأول
هامش
( 1 ) دلائل الاعجاز : ص 247 - 248 .