تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
الصوتين وبين الصوت الثالث ( صوت المتكلم أو الراوي ) هي علاقة « التعليق » على الحدث ، وهي علاقة تتحقق على المستوى النحوي بالفصل . إن الفصل هنا يقوم بوظيفة دلالية هامة هي التفرقة بين الأصوات ، أو بين الحكاية والخبر على حد تعبير عبد القاهر . وتأويل عبد القاهر الأخير يضيف للآيات صوتا رابعا هو صوت المستمعين ، وهو صوت يؤكد ضرورة الفصل حتى لا تتداخل الأصوات داخل النص . هل يمكن أن نضيف هنا أن ظاهرة « الفصل » في النص تتجاوز حدود دلالة النص لتؤكد « الفصل » الوجودي بين المتكلم وبين من سواه وما سواه ، وهو فصل يحرص عليه النص ذاته ؟ ! لكن هذه قضية أخرى ليس هنا مجال مناقشتها .

3 - المطلق والمقيد

إذا كنا في الفقرة السابقة ناقشنا آليات الخصوص اللغوية المتصلة ، أي التي لا تفارق النص الجزئي ذاته ، فإننا سنناقش هنا آليات الخصوص المنفصلة . وبعبارة أخرى سنناقش علاقة أجزاء النص بعضها بالبعض الآخر من منظور العموم والخصوص ، وهي العلاقة التي يطلق عليها الفقهاء أحيانا اسم « المطلق والمقيد » . وإذا كانت بعض أجزاء النص قد تكون ذات دلالة عامة فان البعض الآخر قد يخصص هذه الدلالة العامة ، أو بعبارة أخرى أن ما ورد في النصوص مطلقا قد يأتي في نص آخر ما يقيد هذا الاطلاق ، ومعنى ذلك أن التخصص قد يستفاد بمقابلة النصوص داخل النص الكلي العام ، أو بين القرآن وبين غيره من النصوص الدينية . وما ورد مطلقا في أي من هذه النصوص يظل على اطلاقه وعمومه ما لم يكن هناك نص آخر يقيد هذا الاطلاق . والأصل الذي يستند اليه الأصوليون أن « القرآن كالآية الواحدة » « 1 » ان قاعدة رد المطلق إلى المقيد توضع على النحو التالي : إن وجد دليل على تقييد المطلق صير اليه وإلا فلا ، والمطلق على اطلاقه ، والمقيد على تقييده ، لأن اللّه خاطبنا بلغة العرب . والضابط أن اللّه تعالى إذا حكم في شيء بصفة أو شرط ثم ورد حكم آخر مطلقا نظر ، فإن لم يكن له أصل يرد اليه إلا ذلك الحكم المقيد وجب تقييده به ، وان كان له أصل غيره لم يكن رده إلى أحدهما بأولى من الآخر « 2 » . إن جدلية العموم والخصوص أو الاطلاق والتقييد - تكشف عن تعامل الفقهاء مع النص القرآني بوصفه نصا واحدا . وإذا كانت الآيات ترتبط من حيث النزول بوقائع ومناسبات
هامش
( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 17 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 15 .