تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
الفصل بين الحكاية والخبر هو الأساس الذي يهمنا هنا أكثر ، إن الفصل والوصل ليس مجرد ظاهرة لغوية تقترن بالعطف أو ترك العطف ، بل هي ظاهرة دلالية هامة من ظواهر آليات النصوص ، لذلك يرى عبد القاهر أنه من أغمض أبواب البلاغة وأصعبها : - واعلم أنه ما من علم من علوم البلاغة أنت تقول انه فيه خفي غامض ودقيق صعب إلا وعلم هذا الباب أغمض وأخفى وأدق وأصعب . وقد قنع الناس فيه بأن يقولوا إذا رأوا جملة قد ترك فيها العطف : إن الكلام قد استؤنف وقطع عما قبله . لا تطلب أنفسهم منه زيادة على ذلك ، ولقد غفلوا غفلة شديدة . ومما هو أصل في هذا الباب أن ترى الجملة وحالها مع التي قبلها حال ما يعطف ويقرن إلى ما قبله ، ثم تراها قد وجب فيها ترك العطف لأمر عرض فيها صارت أجنبية مما قبلها « 1 » . وعلى ذلك فليس « العطف » - الوصل - مجرد ربط ميكانيكي بين العبارات والجمل ، بل هو أداة هامة لتحقيق التفاعل السياقي بين أجزاء النص . والعطف يأتي فيما يقول عبد القاهر على ضربين : أحدهما الربط بين جملتين أو لفظين يتصور وجود كل واحد منهما دون الآخر ، وهو يدل هنا على « كمال الانفصال » مثل أن تقول : « ان تأتني أكرمك وأعطك وأكسك » ، فكل واحد من الأفعال الثلاثة المعطوفة لا يتعلق بالآخر ، ولذلك دل العطف هنا على « الانفصال » . والضرب الثاني من ضروب العطف هو الواقع في جملة الشرط ، وهو : أن يكون المعطوف شيئا لا يتكون حتى يكون المعطوف عليه ويكون الشرط لذلك سببا فيه بواسطة كونه سببا للأول . ومثاله قولك : إذا رجع الأمير إلى الدار استأذنته وخرجت ، فالخروج لا يكون حتى يكون الاستئذان ، وقد صار الرجوع سببا في الخروج من أجل كونه سببا في الاستئذان فيكون المعنى في مثل هذا على كلامين نحو : إذا رجع الأمير استأذنت وإذا استأذنت خرجت » « 2 » . إن العطف في المثال الذي يطرحه عبد القاهر عطف مغاير للضرب الأول الدال على « كمال الانفصال » انه دال على « كمال الاتصال » ، ولكنه اتصال قائم على التفاعل لا على مجرد « الوصل » . إن التفاعل هنا يتم على أساس من فاعلية علاقات الشرط ذاتها التي تربط جملتين مثل « إذا عاد الأمير استأذنته » فإذا عطفنا على جملة « استأذنت » جملة أخرى مثل « وخرجت » ، فان الواو هنا لا تعطف الجملة الأخيرة على جملة جواب الشرط معزولة عن سياقها في جملة الشرط ، بل العطف هنا يكون على مجمل التفاعل السياقي لجملة الشرط كلها ، فيكون
هامش
( 1 ) دلائل الاعجاز : ص 237 - 238 . ( 2 ) المصدر السابق : ص 239 .
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 210 | نصر حامد أبو زيد