تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
تكشف عن معناها ودلالتها ، فإن استثمار الأحكام من النص يتعامل مع النص بوصفه وحدة دلالية واحدة . ولقد امتدت هذه النظرة لوحدة النص إلى مجال الآيات التي لا علاقة لها بالأحكام الشرعية الفقهية ، ولذلك يجمع علماء القرآن بين النصوص الخاصة بالأحكام وبين غيرها من النصوص عند حديثهم عن ظاهرة الاطلاق والتقييد : مثل اشتراط اللّه العدالة في الشهود على الرجعة والفراق والوصية ، واطلاق الشهادة في البيوع وغيرها ، والعدالة شرط في الجميع . ومنه تقييد ميراث الزوجين بقوله :
( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ )
واطلاقه الميراث فيما أطلق فيه ، وكان ما أطلق من المواريث كلها بعد الوصية والدين . وكذلك ما اشترط في كفارة القتل من الرقبة المؤمنة ، وأطلقها في كفارة الظهار واليمين ، والمطلق كالمقيد في وصف الرقبة « 1 » . وإذا كان المسلمون جميعا على اختلاف اتجاهاتهم الفكرية قد أجمعوا على أن قدرة اللّه قاهرة غالبة لا ينتقص منها شيء ، فإن معنى ذلك أن كل شيء يقع في العالم انما يقع بمشيئة اللّه وذلك باستثناء الفعل الانساني الذي اختلفوا حوله خلافا معروفا شائعا . وعلى ذلك فقد اعتبر العلماء هذه المشيئة الإلهية « نصا » يقيّد كل ما ورد في القرآن من الوعود المطلقة التي لا تتحقق عادة مع توفر شروطها ، وهي الوعود التي وعد اللّه بها الانسان في هذه الحياة الدنيا : وقوله :
( مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها )
فإنه لو قيل : نحن نرى من يطلب الدنيا طلبا حثيثا ولا يحصل له منها شيء قلنا : قال اللّه تعالى :
( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ )
، فعلق ما يريد بالمشيئة والإرادة . ومثله قوله تعالى :
( أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ )
وقوله :
( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ )
فإنه معلّق « 2 » . إن اكتشاف دلالة النص بالمقابلة بين أجزائه ليس من الضروري أن يستند إلى سبب النزول أو إلى ترتيب النزول ، فعلى مذهب الشافعي « العبرة بالخاص ، سواء تقدم أم تأخر » « 3 » وانما يكون الاهتمام بأسباب النزول للكشف عن دلالة النص . لكن هذا التصور لوحدة النص لا يهدر الترتيب الزماني لأجزاء النص اهدارا تاما ، والدلالة تكون واضحة حين
هامش
( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 15 . ( 2 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 16 . ( 3 ) المصدر السابق : ص 222 .