تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ . فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ . وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا : إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ . أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ . وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ . وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ . اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
« 1 » . ويفسر عبد القاهر الفصل في الآيات على أساس أنه دال يفرق بين الحكاية - حكاية قول المنافقين - وبين خبر اللّه عنهم بأنهم
« هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ »
، وأنهم
« هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ »
وأن اللّه
« يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ »
. ولأن الآية الأولى وردت كلها مورد الحكاية لم تكن ثم حاجة إلى الفصل وذلك على عكس الآيات التالية التي تراوح الأسلوب فيها بين الحكاية والخبر : - فلو عطف للزم عليه مثل الذي قدمت ذكره من الدخول في الحكاية ولصار خبرا عن اليهود ووصفا منهم لأنفسهم بأنهم مفسدون ، ولصار كأنه قيل : قالوا انما نحن مصلحون وقالوا إنهم هم المفسدون وذلك مما لا يشك في فساده . وكذلك قوله تعالى :
« وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ »
، ولو عطف
« إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ »
على ما قبله لكان يكون أدخل في الحكاية ، ولصار حديثا منهم عن أنفسهم بأنهم هم السفهاء من بعد أن زعموا أنهم انما تركوا أن يؤمنوا لئلا يكونوا من السفهاء « 2 » . ويمكن أن نناقش عبد القاهر في هذا التحليل فنقول : ان الفصل ليس هو الدال الوحيد للتفرقة بين الحكاية والخبر في النص ، بل ثم دال آخر هو اختلاف الضمائر من التكلم إلى الغياب ، ففي الحكاية يكون الحضور مدلولا عليه بضمير المتكلمين « نا » ، بينما يستخدم الخبر ضمير الغياب « هم » ، وهذا الاختلاف دال آخر يتضافر مع دال « الفصل » للكشف عن الدلالة . وفي الآية الأولى تدل « الواو » العاطفة على أن أسلوب الخبر هو الأساس في دلالتها وذلك رغم وجود ظاهرة اختلاف الضمائر ، وهذا يدل على أن النص يعتمد على تفاعل الدوال في انتاج دلالته ولا يكتفي بدال واحد . لكن وقوف عبد القاهر عند « الفصل » وحده مبرّر بطبيعة أن موضوع التحليل كان مبحث « الفصل والوصل » . لكن الأساس الثاني في تحليل عبد القاهر لظاهرة الفصل في الآيات السابقة إلى جانب
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآيات : 8 - 15 . ( 2 ) دلائل الاعجاز : ص 238 - 239 .
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 209 | نصر حامد أبو زيد