تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
كتناوله بلا تخصيص وذلك التناول حقيقي اتفاقا فليكن هذا التناول حقيقيا أيضا . ومنها أن قرينة الأول عقلية والثاني لفظية ، ومنها أن قرينة الأول لا تنفك عنه وقرينة الثاني قد تنفك عنه . « 1 » إن المثال الذي يطرحه العلماء للنمط الأول وهو « العام المراد به الخصوص » مثال سبق ان ناقشناه في حديثنا عن « الخصوص » في « أسباب النزول » ، وهو قوله تعالى : -
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً .
ولا نريد أن نكرر هنا ما قلناه هناك « 2 » بل نشير إلى أن تصور القدماء للدلالة المجازية لاستخدام لفظ « الناس » في الآية تصور لا يستقيم ، وإلا تحولت دلالات الالفاظ كلها إلى دلالات مجازية ، وذلك أن اللفظ يكتسب من خلال التركيب والسياق دلالة خاصة محددة لا تكون له خارج السياق . والنظر إلى الألفاظ من خلال دلالتها على « أفراد » المفهوم في حقيقته نظر « منطقي » لا نظر لغوي . والتحليل اللغوي يرى أن تخصيص المفهوم من لفظ « الناس » في الآية تخصيص يرتد إلى التركيب اللغوي ولا علاقة له بالتحول الدلالي المجازي . ان أداة التخصيص « عقلية متصلة » على شريطة أن نفهم « القرينة العقلية » هنا على أساس أن المقصود بها « عقل » القارئ في حواره مع النص . ومن الضروري الإشارة هنا إلى أن الربط بين « العام المراد به الخصوص » وبين الدلالة المجازية قد انتقل من مجال علم أصول الفقه إلى مجال التأويل الكلامي بين المعتزلة وخصومهم الأشاعرة خاصة في مجال « حرية الإرادة » الانسانية . وإذا كان المعتزلة يستشهدون بقوله تعالى :
« وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ »
للدلالة على أن اللّه أراد من العباد عبادته وخلقهم لذلك ، فان الأشاعرة يرون أن هذه الآية من « العام المراد به الخاص » ويستشهدون على ذلك بقوله تعالى :
« وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ »
ويرون أن هذه الآية مخصصة لعموم الآية الأولى « 3 » ومن المهم أن نلاحظ هنا أن هذا الاستشهاد يجعل الآية من النمط الثاني « العام المخصوص » طالما أن أداة التخصيص لفظية منفصلة ، أي طالما أن المخصص آية أخرى غير متصلة بالآية موضع الخلاف . والحقيقة أن الحدود الفاصلة بين النمطين حدود شكلية خاصة إذا تبدّد وهم مجازية الدلالة في النمط الأول . ومن المهم هنا أن نناقش الأدوات التي حصرها القدماء للقرائن
هامش
( 1 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 16 - 17 . ( 2 ) انظر : ص 107 من هذه الدراسة . ( 3 ) انظر تفاصيل هذه التأويلات في : الاتجاه العقلي في التفسير ، ص 221 - 223 .