« ان من له حكم مثله في كل أم أن تمل وتسأم وأن المشقة في ذلك إلى حد يعلم أن الأم تمل له الابن وتتبرم به ، مع ما في طباع الأمهات من الصبر على المكاره في مصالح الأولاد ، وذلك أنه وان قال ( أمّنا ) فان المعنى على أن ذلك حكم كل أم مع أولادها . ولو قلت ( لملتنا ) لم يحتمل ذلك لأنه يجري مجرى أن تقول : لو لقيت أمنا ذلك لدخلها ما يملها منا . وإذا قلت ما يملها منا فقيدت لم يصلح لأن يراد به معنى العموم وأنه بحيث يمل كل أم من كل ابن .
وكذلك قوله : إلى حجرات أدفأت وأظلت ، لأن فيه معنى قولك : حجرات من شأن مثلها أن تدفئ وأن تظل ، أي هي بالصفة التي إذا كان البيت عليها أدفأ وأظل . ولا يجيء هذا المعنى مع اظهار المفعول ، إذ لا تقول : حجرات من شأن مثلها أن تدفئنا وتظللنا . هذا لغو من الكلام » « 1 » .
وإذا كان عبد القاهر في تحليلاته لا يكاد يغادر دلالة البيت أو جزء البيت للكشف عن دلالة « نص » متكامل ، فذلك راجع إلى أن البحث عن آلية الانتقال من الخاص إلى العام بدأ كما رأينا في دائرة البحث الفقهي لاستثمار الأحكام من النصوص ، ثم انتقل بعد ذلك إلى مجال الدراسات الأدبية واللغوية . ويكفي عبد القاهر قدرته على هذا الربط بين المجالين دون أن يظل مبحث « العام والخاص » في اطار المفاهيم العامة للمجاز كما هو الأمر عند ابن قتيبة والباقلاني وغيرهم . ومع ذلك فان في كثير من تحليلات عبد القاهر لبعض النصوص ما يكشف عن وعي باهر بقدرة بعض الوسائل اللغوية - خاصة حذف المفعول - على نقل الدلالة من مجال « الخاص » إلى مجال « العام » . يقول تعليقا على قول الشاعر :
إذا بعدت أبلت وان قربت شفت * فهجرانها يبلي ولقيانها يشفي
« قد علم أن المعنى : إذا بعدت عني أبلتني ، وان قربت مني شفتني ، إلا أنك تجد الشعر يأبي ذكر ذلك ويوجب اطراحه ، وذلك لأنه أراد أن يجعل البلى كأنه واجب في بعادها أن يوجبه ويجلبه وكأنه كالطبيعة فيه ، وكذلك حال الشفاء مع القرب حتى كأنه قال : أتدري ما بعادها ؟ هو الدّاء المضني . وما قربها ؟ هو الشفاء والبرء من كل داء . ولا سبيل لك إلى هذه اللطيفة وهذه النكتة إلا بحذف المفعول البتة فاعرفه .
وليس لنتائج هذا الحذف - أعني حذف المفعول - نهاية ، فإنه طريق إلى ضروب من
هامش
( 1 ) عبد القاهر الجرجاني : دلائل الاعجاز ، ص 181 .