تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
الصنعة وإلى لطائف لا تحصى » « 1 » . إن الانتقال من الخاص إلى العام انتقال دلالي يتحقق باستخدام بعض آليات اللغة ، ولكنه انتقال لا ينفي علاقة النص بالواقع ولا يتصادم معها . وعلى مستوى النص القرآني يكون فهم سبب النزول هاما لإدراك المعنى واكتشاف الدلالة ، لكن المعنى والدلالة لا يقفان عند حدود الوقائع ، بل تكون النصوص قابلة للتعبير عن وقائع شبيهة ، وتكون من ثم قابلة لإعادة القراءة والتفسير والتأويل .

2 - آليات الخصوص

إذا كانت آليات العموم تعتمد على بعض الوسائل اللغوية فان ثمة وسائل لغوية أخرى تحول العموم إلى خصوص ، أي تخصص الدلالة العامة للنصوص ، ويعد اكتشاف هذه الأدوات أمرا هاما بالنسبة لعلماء أصول الفقه ، ولا يقل في أهميته عن اكتشاف أدوات العموم وآلياته . لكن هذا « الخصوص » الذي تحققه بعض الوسائل اللغوية ليس خصوص « المناسبة » ، بمعنى أنه لا يعني قصر مفهوم النص على الحدث الجزئي الذي كان النص استجابة له . ان معنى « الخصوص » اللغوي ينحصر في أحد أمرين كما يقول الفقهاء : أن يكون اللفظ عاما في صيغته وتكون دلالته غير شاملة لجميع الأفراد الذين يشير إليهم ، بل تكون دلالته خاصة . وهذه الدلالة الخاصة تكون مفهومة من السياق التركيبي للنص وهو ما يطلق عليه الفقهاء « العام المراد به الخصوص » . والمعنى الثاني للخصوص اللغوي أن يكون اللفظ عاما في صيغته ودلالته ، ولكن الحكم الوارد في النص لا ينطبق على مدلول عموم الألفاظ . ويعتمد التخصيص في هذا النمط من النصوص على دوال لغوية قد تكون متصلة بالنص المذكور ، أو على نصوص أخرى منفصلة عن النص المعني . وهذا النوع الثاني يطلق عليه الفقهاء « العام المخصوص » . وقد ذهب بعض العلماء إلى أن هذا النوع الثاني هو الغالب على النصوص الخاصة بالأحكام الشرعية : إذ ما من عام إلا ويتخيّل في التخصيص فقوله :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ »
قد يخص منه غير المكلف ، و
« حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ »
خص منه حالة الاضطرار ومنه السمك والجراد « وحرم الربا » خص منه العرايا « 2 » .
هامش
( 1 ) دلائل الاعجاز : ص 183 . ( 2 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 16 . و « العرايا » جمع « عرية » وهي النخلة خارج البستان ، أباح الرسول بيع ثمرها قبل أن ينضج . وذلك إشارة إلى حديث مسلم « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نهى عن المزابنة ، الثمر بالثمر ، إلا أصحاب العرايا فإنه قد أذن لهم . « مختصر صحيح مسلم » ، الجزء الثاني ص : 6 - 7 .