ولكن الرماح أجرتني ، وأنه لا يتصور أن يكون هاهنا شيء آخر يتعدى اليه لاستحالة أن يقول : فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ، ثم يقول : ولكن الرماح أجرت غيري « 1 » .
لكن هذا المعنى الذي يعتمد على تقدير المحذوف هو « المعنى الأصلي » « أو » « الغرض » عند عبد القاهر ، وليس هو المعنى الناتج عن هذا النظم الخاص وما يتضمنه من حذف . إن معنى النظم ودلالة الحذف يتجاوزان الحدث الجزئي الذي كان البيت تعبيرا عنه « قصدا » ، أي يتجاوزان الدافع الأول للنص وهو المديح في البيت الأول والاعتذار في البيت الثاني . إنهما ينقلان التجربة من مجال الخاص إلى مجال العام . وعلى ذلك تكون الدلالة في البيت الأول .
فأنت ترى حساده وليس شيء أشجى لهم وأغيظ من علمهم بأن هاهنا مبصرا يرى وسامعا يعي حتى ليتمنّون أن لا يكون في الدنيا كلها من له عين يبصر بها وأذن يعي بها كي يخفي مكان استحقاقه لشرف الأمانة فيجدوا بذلك سبيلا إلى منازعته إياها « 2 » .
وتكون دلالة النظم في البيت الثاني :
كان من سوء بلاء القوم ومن تكذيبهم عن القتال ما يجرّ مثله ، وما القضية فيه أنه لا يتفق على قوم إلّا خرس شاعرهم فلم يستطع نطقا . وتعديتك الفعل تمنع من هذا المعنى ، لأنك إذا قلت : ولكن الرماح أجرتني ، لم يمكن أن يتأوّل على معنى أنه كان منها ما شأن مثله أن يجر قضية مستمرة في كل شاعر قوم ، بل قد يجوز أن يوجد مثله في قوم آخرين فلا يجر شاعرهم . ونظيره أنك تقول : قد كان منك ما يؤلم ، تريد ما الشرط في مثله أن يؤلم كل أحد وكل انسان . ولو قلت ما يؤلمني لم يفد ذلك لأنه قد يجوز أن يؤلمك الشيء لا يؤلم غيرك « 3 » .
وهذا المبدأ الهام الذي يطرحه عبد القاهر من أن الحذف - حذف المفعول - قد يحول المعنى والدلالة من مجال الخاص إلى مجال العام مبدأ يمكن تطبيقه على كثير من النصوص الأدبية . وعلى ذلك تصبح الدلالة في أبيات طفيل الغنوي التي قالها مادحا جعفر بن كلاب ، وهي :
جزى اللّه عنا جعفرا حين أزلقت * بنا نعلنا في الواطئين فزلّت
أبوا أن يملّونا ولو أن أمّنا * تلاقي الذي لاقوه منا لملّت
هم خلطونا بالنفوس وألجئوا * إلى حجرات أدفأت وأظلّت
هامش
( 1 ) المصدر السابق ، ص 179 .
( 2 ) دلائل الاعجاز : ص 178 .
( 3 ) دلائل الاعجاز ، ص 180 - 181 .