تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
ذلك الذي عرفه حتى كأنك قلت : أخوك زيد الذي عرفت أنك تدعه لملمّة يجبك ، ولكون هذا الجنس معهودا من طريق الوهم والتخيّل جرى على ما يوصف بالاستحالة « 1 » . وإذا كانت دلالة اسم الموصول على العموم ناتجة عن حاجته لجملة الصلة التي تحوله إلى مفهوم عام ، فان ظاهرة حذف المفعول تؤدي إلى العموم من حيث تحويلها لدلالة الفعل من التعدي إلى اللزوم على المستوى النحوي ، ومن حيث قابلية التركيب لاحتمالات دلالية متعددة على مستوى « التأويل » . لذلك يصف عبد القاهر هذه الظاهرة - ظاهرة الحذف - بقوله : انه باب دقيق المسلك ، لطيف المأخذ ، عجيب الأمر شبيه بالسحر ، فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر ، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة ، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق ، وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن « 2 » . ويتوقف عبد القاهر امام شاهدين شعريين كاشفا عن دلالة الحذف ، يتوقف أمام قول البحتري : -
شجو حساده وغيظ عداه * أن يرى مبصر ويسمع واع
وكذلك أمام بيت عمرو بن معديكرب : -
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم * نطقت ولكن الرماح أجرّت
ويرى أن حذف المفعول للفعل « يرى » وللفعل « يسمع » في البيت الأول ، وحذفه للفعل « أجرّ » في البيت الثاني ، حذف ليس الغرض منه الاختصار فحسب ، وهو الاختصار الذي يعبر عنه النحاة بقولهم : « حذف ما يعلم جائز » ، بل هو حذف يستهدف نقل دلالة الأبيات من اطار التجربة الخاصة إلى مجال التجربة العامة . ان الحذف هنا يقوم بوظيفة نقل الدلالة من « الخاص » إلى « العام » لا بالمعنى الفقهي الذي ناقشناه قبل ذلك ، بل بالمعنى النقدي . ولا شك أن المفعولات المحذوفة يمكن تقديرها اعتمادا على السياق من منظور نحوي تقليدي كما يفعل عبد القاهر حين يشرح البيت الأول قائلا : المعنى لا محالة أن يرى مبصر محاسنه ويسمع واع أخباره وأوصافه « 3 » . ويكون معنى البيت الثاني اعتمادا على تقدير المحذوف أيضا :
هامش
( 1 ) عبد القاهر الجرجاني : دلائل الاعجاز ، ص 202 . ( 2 ) المصدر السابق : ص 170 . ( 3 ) دلائل الاعجاز ، ص 178 .