تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذّبن أجمعون : فقال ابن عباس : هذه الآية نزلت في أهل الكتاب . . . سألهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره ، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه ، فاستحمدوا بذلك اليه وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ما سألهم عنه « 1 » . وليس معنى قول ابن عباس : ان الآية نزلت في أهل الكتاب أنه يجعل دلالتها دلالة خاصة ، بل القصد من وراء ذكر « السبب » اكتشاف دلالة النص بالعودة به إلى سياقه الأكبر . والدلالة التي يمكن الوصول إليها أن الذم واقع على الجمع بين الفرح بما يجنيه الانسان من الباطل وبين حب الحمد على هذا الباطل أيضا . لقد كذب اليهود على محمد ، وحققوا من وراء هذا الكذب غايتين : الفرح بخداع محمد ، واكتساب الحمد على شيء لم يفعلوه في الحقيقة . وهذه الدلالة تحتاج لا شك إلى معرفة سبب النزول ، ولكنها تظل دلالة عامة غير خاصة بالسبب الذي نزلت من أجله : - لأن اللفظ أعم من السبب . . . وانما الجواب أن الوعيد مرتب على أثر الأمرين المذكورين ، وهما الفرح وحب الحمد ، لا عليهما أنفسهما ، إذ هما من الأمور الطبيعية التي لا يتعلق بها التكليف أمرا ونهيا . . . لا يخفى عن ابن عباس رضي اللّه عنه أن اللفظ أعم من السبب ، لكنه بين أن المراد باللفظ خاص ، ونظيره : تفسير النبي صلّى اللّه عليه وسلم الظلم بالشرك « 2 » . إن معنى التخصيص الذي يفهم من كلام ابن عباس تحديد مدلول النص لا تخصيص الحكم بقصره على الواقعة الجزئية الخاصة التي هي سبب النزول ، انه تحديد المقصود بالفرح وحب الحمد فليس كل من يفرح بما أوتي ويجب أن يحمد بما لم يفعل معذبا وإلّا عذب الناس جميعا كما توهم مروان بن الحكم . إن دلالة النص التي أمكن الوصول إليها من « سبب النزول » تحصره في « فرح » خاص بفائدة يجنيها الانسان من باطل ، ويجتمع مع هذا الفرح حب الحمد على هذا الباطل الموهم . لكن هذه الدلالة عامة في كل من تحققت فيه هذه الشروط .

1 - آليات العموم

يعد الأصوليون الوسائل اللغوية التي يستفاد منها معنى العموم ويحصرونها في الوسائل الآتية : - 1 - « كل » سواء بدئ بها الكلام أو جاءت في التوابع .
هامش
( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 27 . ( 2 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 27 - 28 .