تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥

الفصل الرابع العام والخاص

إذا كانت علوم « الاعجاز » و « المناسبة بين السور والآيات » و « المحكم والمتشابه » علوما تؤكد مفهوم « وحدة » النص في وعي القدماء فان علم « العام والخاص » يزيد هذا الوعي بالوحدة وضوحا رغم ارتباطه ارتباطا وثيقا بعلم « أسباب النزول » . إذ لم يكتف العلماء بالوقوف عند حدود النظرة التجزيئية للنص التي ترى كل آية « نصا » مستقلا بمعنى منفصل عن معنى الآيات السابقة لها أو التالية لها ، بل بذلوا - كما رأينا - غاية جهدهم لتأكيد أن النص من حيث « النزول » نزل مجزأ ، ولكنه من حيث « التلاوة » نص واحد . وفي علم « العام والخاص » يؤكد العلماء مرة أخرى أن النصوص أو الآيات وان نزلت عند سبب خاص تتجاوز من حيث دلالتها حدود هذا السبب الخاص . وإذا كان العلماء قد اختلفوا في دلالة النص وتساءلوا : هل العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص السبب ، فقد كان هذا الخلاف خلافا فقهيا يرتبط بآيات الأحكام دون غيرها من الآيات . ولا شك أن ما ورد في القرآن خاصا بالأحكام والتشريعات يمكن النظر إليه من خلال هذه الثنائية ، إذ يرتبط بعضها بسبب النزول ولا يفارقه ، وان كان بعضها الآخر يتجاوز « الواقعة » الجزئية التي نزل فيها ليدل على حكم عام يصلح أن ينطبق على آلاف الوقائع الشبيهة . لقد كان اهتمام الفقهاء والأصوليين باكتشاف الطرائق التي يمكن أن يستجيب بها النص لمتغيرات الواقع في حركته النامية المتطورة عبر التاريخ هو العامل الأكبر وراء التركيز على « عموم اللفظ » دون الوقوف عند « خصوص السبب » . لذلك نظر كثير من الفقهاء إلى « الوقائع » الجزئية التي يمثلها علم « أسباب النزول » بوصفها مجرد نماذج وأمثلة لأحوال اجتماعية وانسانية . وعلى ذلك فان دلالة النص لا تقف عند حدود هذه الوقائع الجزئية بل تنسحب على كل الوقائع الشبيهة : - ومن الأدلة على اعتبار عموم اللفظ ( كون ) احتجاج الصحابة وغيرهم في وقائع بعموم آيات نزلت على أسباب خاصة شائعا ذائعا بينهم . قال ابن جرير : حدثني محمد بن أبي معشر : أخبرنا أبو معشر نجيح سمعت سعيدا المقبري يذكر محمد بن كعب القرظي فقال
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 195 | نصر حامد أبو زيد