تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
التحول لا يتم إلا عبر المرور من الوجود المادي إلى الوجود الذهني في المفاهيم والتصورات المشتركة . هذا على مستوى دلالة الألفاظ على مدلولاتها ، فإذا انتقلنا من دلالة الألفاظ إلى دلالة التراكيب كان تعبير اللغة عن الوقائع تعبيرا من خلال علاقات لغوية لها خصوصيتها . إن عبارة « مات السائق » مثلا أسندت الفعل « مات » إلى الفاعل « السائق » ، ولكن هذا اسناد لغوي لا يتطابق مع الحدث الخارجي ولا يحاكيه ، ففي الحدث الخارجي الذي تعبر عنه الجملة لم يفعل السائق الموت بنفسه . وفي عبارة أخرى مثل « أعجبني العرض » نجد أن علاقات الفاعلية والمفعولية لا تشير إلى وقائع خارجية ، بل تشير إلى علاقات لغوية . هذا من حيث علاقة اللغة بما تدل عليه في الواقع الخارجي ، إذ للغة آليات خاصة بها تحول الواقع إلى وجود رمزي صوتي أو كتابي . لكن أهم آليات اللغة في التعبير عن الوقائع أن أي عبارة من العبارتين السابقتين تصلح للتعبير عن ملايين الوقائع الشبيهة التي يموت فيها السائقون أو التي يستأثر فيها عرض باعجاب متكلم . ولو استخدمت بعض أدوات التخصيص في أيّ من الجملتين كأن نقول مثلا : « مات السائق حين اصطدمت السيارة التي كان يقودها بالقطار » فان الجملة تظل رغم ذلك صالحة للتعبير عن آلاف الوقائع التي يموت فيها سائقون حين تصطدم سياراتهم بقطارات . وحتى في حالة استبدال اسم علم بكلمة « سائق » ونعت كلمة « السيارة » ببعض النعوت التي تميزها عن غيرها من السيارات ، فلن تفلح كل هذه الوسائل اللغوية في جعل العبارة اللغوية « خاصة » بالحادثة الجزئية . هكذا تعتمد اللغة في تعبيرها الرمزي عن العالم على طاقتي التجريد والتعميم . إن الأصل في آليات اللغة اذن التعميم ، لذلك حرص العلماء على تأكيد العموم في كثير من الأحكام التي شرعها النص . ولكن هذا الحرص على « العموم » لا يقلل من أهمية علم « أسباب النزول » الذي يتوقف عليه في كثير من الأحيان اكتشاف دلالة النصوص . ان الآيات :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ . لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
« 1 » . قد أشكلت على مروان بن الحكم فسأل ابن عباس :
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : الآيتان 187 - 188 .