تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
سعيد : ان في بعض كتب اللّه : ان للّه عبادا ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمرّ من الصبر ، فقال محمد بن كعب : هذا في كتاب اللّه :
« وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا »
الآية ، فقال سعيد : قد عرفت فيمن أنزلت ، فقال محمد بن كعب : ان الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة . فان قلت فهذا ابن عباس لم يعتبر عموم قوله :
« لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ »
الآية ، بل قصرها على ما أنزلت فيه من قصة أهل الكتاب ، قلت : أجيب عن ذلك بأنه لا يخفى عليه أن اللفظ أعمّ من السبب ، لكنه بين أن المراد باللفظ خاص ، ونظيره تفسير النبي صلّى اللّه عليه وسلم « الظلم » في قوله تعالى :
وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ »
بالشرك من قوله :
« إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ »
مع فهم الصحابة العموم في كل لفظ . وقد ورد عن ابن عباس ما يدل على اعتبار العموم فإنه قال به في آية السرقة مع أنها نزلت في امرأة سرقت . قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين نبأنا محمد بن أبي حماد حدثنا أبو ثميلة بن عبد المؤمن عن نجدة الحنفي ، قال : سألت ابن عباس عن قوله :
« وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما »
أخاص أم عام ؟ قال : بل عام . وقال ابن تيمية : قد يجيء كثيرا من هذا الباب قولهم هذه الآية نزلت في كذا ، لا سيما ان كان المذكور شخصا كقولهم آية الظهار نزلت في امرأة ثابت بن قيس ، وأن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد اللّه ، وأن قوله :
« وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ »
نزلت في بني قريظة والنضير ، ونظائر ذلك مما يذكرون أنه نزل في قوم من المشركين بمكة أو قوم من اليهود والنصارى أو في قوم من المؤمنين ، فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية يختص بأولئك الأعيان دون غيرهم ، فان هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الاطلاق . والناس وان تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب ، هل يختص بسببه ؟ فلم يقل أحد ان عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعين ، وانما غاية ما يقال إنها تختص بنوع ذلك الشخص فتعم ما يشبهه ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ . والآية التي لها سبب معين ان كانت أمرا أو نهيا فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته ، وان كانت خبرا بمدح أو ذم فهي متناولة لذلك الشخص ولمن كان بمنزلته « 1 » . إن تجاوز « السبب الخاص » في دلالة النص إلى مستوى « العموم » لا بدّ أن يستند إلى دوال في النص ذاته تسمح بهذا التجاوز والانتقال . ومن طبيعة اللغة ذاتها أنها تعبر عن الوقائع تعبيرا رمزيا ، فالوجود الفيزيقي للأشياء يتحول في اللغة إلى رموز صوتية ، وهذا
هامش
( 1 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 29 - 30 .