السور التي تبدأ بحروف متشابهة مثل « ألم » التي تبدأ بها سور « البقرة » و « آل عمران » و « العنكبوت » و « الروم » و « لقمان » و « السجدة » ، ومثل « الر » التي تبدأ بها سور « يونس » و « هود » و « يوسف » و « الرعد » و « إبراهيم » و « الحجر » ، هذا علاوة على الطواسين والحواميم . ويبدو دفاع علماء القرآن عن مثل هذا التأويل دفاعا متهافتا ، ذلك أنهم يذهبون إلى أنه :
قد يقع الوفاق بين اسمين لشخصين . ثم يميز بعد ذلك بصفة وقعت ، كما يقال زيد وزيد ، ثم يميزان بأن يقال : زيد الفقيه ، وزيد النحوي ، فكذلك إذا قرأ القارئ :
( ألم . ذلِكَ الْكِتابُ )
فقد ميزها عن ( ألم . اللّه لا إله إلا هو الحي القيوم ) « 1 » .
ويطول بنا الأمر إذا ناقشنا كل التأويلات التي طرحت لوجود هذه الحروف والتي أسهب علماء القرآن في تعدادها حتى وصلت إلى ثلاثة عشر تأويلا ، وانتهى الأمر ببعض العلماء إلى التسليم بها جميعا وجعلها بمثابة تأويل واحد :
فيقال : إن اللّه جل وعلا افتتح السور بهذه الحروف إرادة منه للدلالة بكل حرف منها على معان كثيرة ، لا على معنى واحد ، فتكون هذه الحروف جامعة لأن تكون افتتاحا ، وأن يكون كل واحد منها مأخوذا من اسم من أسماء اللّه تعالى ، وأن يكون اللّه عز وجل قد وضعها هذا الوضع فسمى بها ، وأن كل حرف منها في آجال قوم وأرزاق آخرين ، وهي مع ذلك مأخوذة من صفات اللّه تعالى في انعامه وأفضاله ومجده ، وأن الافتتاح بها سبب لأن يسمع القرآن من لم يكن يسمع ، وأن فيها اعلانا للعرب أن القرآن الدال على نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم بهذه الحروف وأن عجزهم عن الاتيان بمثله مع نزوله بالحروف المتعالمة بينهم دليل على كفرهم وعنادهم وجحودهم ، وأن كل عدد منها إذا وقع أول كل سورة فهو اسم لتلك السورة « 2 » ولا شك أن كل هذه التأويلات تؤكد بطريقة أو بأخرى احساس القدماء بأن « غموض » دلالة هذه الحروف يشكل جانبا من جوانب خصوصية النص ، فهو غموض يؤكد « الاختلاف » ، بين القرآن وبين غيره من النصوص . من هنا تختلف الحروف المقطعة عن غيرها من ظواهر الغموض التي ناقشناها في الفقرات السابقة ، من حيث أن هذه الأخيرة ظواهر غموض دلالية تبيّنها وتكشف عنها أجزاء أخرى من النص ، وهي من ثم ظواهر غموض تبرز اختلاف النص داخليا . وهكذا يكون النص قد خالف بين ذاته وبين غيره من النصوص من جهة ، وخالف بين أجزائه من جهة أخرى . ولم تكن هذه المخالفة الا آلية من آليات النص حقق بها تميزه وحقق بها من ثم قدرته على التفاعل مع الثقافة في المكان والزمان .
هامش
( 1 ) الزركشي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 174 .
( 2 ) الزركشي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 175 .