تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
مذكور في جملة الحروف التي تشتمل عليها الحروف المبينة في أوائل السور . وكذلك النصف من الحروف التي ليست بحروف الحلق . وكذلك تنقسم هذه الحروف إلى قسمين آخرين : أحدهما حروف غير شديدة ، وإلى الحروف الشديدة وهي التي تمنع الصوت أن يجري فيه وهي الهمزة والقاف والكاف والجيم ( ؟ ) والظاء والذال والطاء والياء ، وقد علمنا أن نصف هذه الحروف أيضا هي مذكورة في جملة تلك الحروف التي بنيت عليها تلك السور . ومن ذلك الحروف المطبقة وهي أربعة أحرف وما سواها منفتحة فالمطبقة الطاء والظاء والضاد والصاد . وقد علمنا أن نصف هذه الحروف في جملة الحروف المبدوء بها في أوائل السور . وإذا كان القوم الذين قسموا في الحروف هذه الأقسام لأغراض لهم في ترتيب العربية وتنزيلها بعد الزمان الطويل من عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ورأوا مباني اللسان على هذه الجهة ، وقد نبه بما ذكر في أوائل السور على ما لم يذكر على حد التصنيف الذي وصفنا دل على أن وقوعها الموقع الذي يقع التواضع عليه بعد العهد الطويل لا يجوز أن يقع إلا من اللّه عز وجل لأن ذلك يجري مجرى علم الغيوب . وإن كان انما نبّهوا على ما بني عليه اللسان في أصله ، ولم يكن لهم في التقسيم شيء وانما التأثير لمن وضع أصل اللسان ، فذلك أيضا من البديع الذي يدل على أن أصل وضعه وقع موقع الحكمة التي يقصر عنها اللسان . فإن كان أصل اللغة توقيفا فالأمر في ذلك أبين ، وان كان على سبيل التواضع فهو عجيب أيضا ، لأنه لا يصح أن تجتمع هممهم المختلفة على نحو هذا إلا بأمر من عند اللّه تعالى . وكل ذلك يوجب اثبات الحكمة في ذكر هذه الحروف على حد يتعلق به الاعجاز من وجه « 1 » . إن الدلالة التي يضفيها الباقلاني هنا على وجود هذه الحروف في النص دلالة مشابهة لدلالة « الاخبار عن الغيوب » على اعجاز النص . ولكن علينا أن نكون على ذكر بأن هذه الدلالة دلالة أضافتها الثقافة على هذه الحروف بعد تطور الدرس اللغوي . ولا يقلل من هذه الدلالة الآن أن تقسيم الأصوات مخالف لتقسيم القدماء الذين كانوا يعتمدون على مجرد الملاحظة المباشرة ، هذا بالإضافة إلى تطور نطق بعض الأصوات في اللغة الحديثة « 2 » . ثمة تأويلات أخرى تحاول اضفاء دلالة على هذه الحروف ، منها مثلا اعتبار هذه الحروف بمثابة أسماء للسور التي وردت فيها ، ولكن هذا التأويل يضعف من مشروعيته كثرة
هامش
( 1 ) الباقلاني : اعجاز القرآن ، الجزء الأول ، ص 68 - 69 . ( 2 ) انظر : فليش : العربية الفصحى ، نحو بناء لغوي جديد ، ص 37 - 41 .