تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
الجمّل . نعم انه قديم مشهور ، وقدم الاصطلاح لا يصير حجة ، وليس أبو ياسر وأخوه حيي ممن يؤخذ رأيه في ذلك دليلا ولا من علماء اليهود لأنهم كانوا بادية بالحجاز غفلا عن الصنائع والعلوم حتى عن علم شريعتهم وفقه كتابهم وملتهم ، وانما يتلقفون مثل هذا الحساب كما تتلقفه العوام في كل ملة « 1 » . وإذا كان اليهود قد حاولوا تفسير هذه الحروف تفسيرا حسابيا ، فان ابن عباس قد حاول أن يرد هذه الحروف إلى أسماء اللّه وصفاته ، فكل حرف منها يدل على اسم أو صفة دلالة الجزء على الكل . وفي هذه الحالة يمكن أن يدل الحرف الواحد على أكثر من اسم وأكثر من صفة : فالألف من « اللّه » واللام من « لطيف » والميم من « مجيد » ، أو الألف من « آلائه » واللام من « لطفه » والميم من « مجده » « 2 » . ويمكن أيضا أن يكون مفتتح كل سورة دالا على عبارة كاملة على سبيل الاختصار ، فتكون الدلالة : - في قوله تعالى : « ألم ، . أنا اللّه أعلم ، وفي ( المص ) أنا اللّه أفضل ، و ( ألر ) أنا اللّه أرى ، ونحوه من دلالة الحرف الواحد على الاسم العام والصفة التامة « 2 » . ولا شك أن هذا التأويل المنسوب إلى ابن عباس قد تطور فيما بعد ، عند كل من الشيعة والمتصوفة ، إلى علم قائم بذاته . اكتسبت فيه الحروف بصفة عامة وحروف أوائل السور بصورة خاصة أبعادا ودلالات شتى سواء على الأئمة عند الشيعة على اختلاف فرقهم أم على حقائق الوجود والنص عند المتصوفة . وكان ذلك كله تعميقا للاتجاهات « الغنوصية » في تفسير النص وتأويله . وفي مقابل هذا الاتجاه التأويلي السري نجد اتجاها آخر يتعامل مع هذه الحروف من حقيقة أنها حروف غير دالة في ذاتها ، بل هي جزء من النظام اللغوي الذي يعتمد عليه النص ، ووجودها في النص هكذا مفرّقة له دلالة عامة هي « تأكيد » أن هذا « النص » المعجز في نظمه مؤلف من نفس الحروف التي يؤلفون منها نصوصهم التي لا ترقي في مستواها إلى آفاق هذا النص . ومعنى ذلك أن الاشتراك بين النص وغيره من نصوص الثقافة هو اشتراك في النظام الصوتي ، وذلك معنى من معاني الاعجاز عند الباقلاني : -
هامش
( 1 ) المقدمة : ص 333 . ( 2 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 173 ، ص 174 .
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 191 | نصر حامد أبو زيد