تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
نصوصا دالة بمنطوقها على استئثار علم اللّه بهذه الأشياء فإنها نصوص ليس لها تأويل وراء منطوقها . انها نصوص دالة أدخل في باب « المحكم » ولا علاقة لها بالتشابه أو الغموض . ومعنى ذلك أن الحروف المقطعة والآيات « المتشابهات » فقط هي التي استأثر اللّه بعلمها وليس لانسان تأويلها . إن اختلاف الروايات عن ابن عباس جعل أنصار التأويل يستندون إلى مرويات أخرى عنه تعارض وجود شيء في القرآن لا يصل الإنسان إلى فهمه وتأويله : - ألا ترى أن ابن عباس كان يقول : أنا من الراسخين في العلم ، ويقول عند قراءة قوله في أصحاب الكهف :
( ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ )
أنا من أولئك القليل . وقال مجاهد . . . لو لم يكن للراسخين في العلم حظ من المتشابه إلا أن يقولوا : ( آمنا ) لم يكن لهم فضل على الجاهل ، لأن الكل قائلون ذلك . ونحن لم نر المفسرين إلى هذه الغاية توقفوا عن شيء من القرآن فقالوا : هو متشابه لا يعلمه إلا اللّه ، بل أمّروا على التفسير ، حتى فسروا الحروف المقطعة « 1 » . والحقيقة أن تفسير الحروف المقطعة ومحاولة الوصول إلى سرها يرجع إلى زمن نزول النص ، وإلى جدل اليهود مع النبي حول الاسلام والقرآن . وسواء كانت هذه الرواية هي سبب نزول آية آل عمران أم كانت مجرد « واقعة » لا تعلّق لها بنزول الآية فان مغزاها بالنسبة لتفسير الحروف المقطعة يظل هاما . لقد حاول اليهود تفسير هذه الحروف تفسيرا عدديا ظنا منهم أنها يمكن أن تكشف لهم عن مدة سيادة « الاسلام » وسيطرته سياسيا . قال ابن إسحاق راويا عن ابن عباس : . إن أبا ياسر بن أخطب مر برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو يتلو فاتحة البقرة :
« ألم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ »
فأتى أخاه حيي أخطب في رجال من يهود ، فقال : تعلموا واللّه ، لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل عليه ،
ألم ذلِكَ الْكِتابُ
فقالوا : أنت سمعته ؟ فقال : نعم ، فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من يهود إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقالوا له : يا محمد ، ألم يذكر لنا أنك تتلو فيما أنزل إليك
« ألم ذلِكَ الْكِتابُ »
؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : بلى ، قالوا : أجاءك بها جبريل من عند اللّه ؟ فقال : نعم : قالوا : لقد بعث اللّه قبلك أنبياء ما نعلمه بيّن لنبي منهم ما مدة ملكه ، وما أكل أمته غيرك ، فقال حيي بن أخطب ، وأقبل على من معه ، فقال لهم : الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، فهذه احدى وسبعون سنة ، أفتدخلون في
هامش
( 1 ) المصدر السابق ، ص 73 .
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 189 | نصر حامد أبو زيد