تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
في الجزالة ، وبعضه على أسلوب يخالفه ، وكلام اللّه منزه عن هذه الاختلافات ، فإنه على منهاج واحد في النظم مناسب أوله آخره ، وعلى مرتبة واحدة في غاية الفصاحة ، فليس يشتمل على الغث والسمين ، ومسوق لمعنى واحد ، وهو دعوة الخلق إلى اللّه تعالى ، وصرفهم عن الدنيا إلى الدين ، وكلام الآدميين يتطرق اليه هذه الاختلافات . . . ولقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بشرا تختلف أحواله ، فلو كان هذا كلامه أو كلام غيره من البشر لوجد فيه اختلاف كثير فأما اختلاف الناس فهو تباين في آراء الناس لا في نفس القرآن ، وكيف يكون هذا المراد ، وقد قال تعالى :
( يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً )
فقد ذكر في القرآن أنه في نفسه غير مختلف ، وهو مع هذا سبب لاختلاف الخلق في الضلال والهدى « 1 » . إن الاختلاف - في تأويل الغزالي - ظاهرة أحدثها النص بين الناس ، فقد اختلف الناس في النص وفي تفسيره وتأويله ، ولكن النص نفسه لا اختلاف فيه لا على مستوى النظم والأسلوب ولا على مستوى المضمون والدلالة . لكن مثل هذا التأويل يتجاهل أن اختلاف الناس حول النص « تأويلا » استند إلى أجزاء مختلفة في النص . إن استشهاد الغزالي بقوله تعالى :
« يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً »
هو في حقيقته استشهاد يعتمد على « تأويل » يأخذ الآية على ظاهرها بوصفها آية « محكمة » تدل بظاهرها . وهو استشهاد لا يوافقه عليه أي مفكر معتزلي يضع الآية في نطاق « المتشابه » الذي يحتاج إلى التأويل الذي يتباعد بها عن دلالتها الظاهرة . ويضع المعتزلي في مقابلة هذا الاستشهاد بالنص من جانب الأشعري استشهادا بجزء آخر من النص يراه « محكما » دالا بظاهره على نقيض معنى النص الذي يستشهد به الأشعري . إن اختلاف الناس حول النص يرتد في جانب منه إلى « اختلاف » النص ذاته ، وهو اختلاف أوهم التناقض . من هنا يحرص العلماء على إزالة هذا الوهم ، ومن هنا ينبع الاتفاق بين الفرق المختلفة على نفي التناقض عن القرآن . وليس تأويل « المتشابه » بردّه إلى « المحكم » في حقيقته إلا محاولة لإزالة وهم « التناقض » عن النصوص المختلفة . ومعنى ذلك أن كل الفرق تسلم بطريقة أو بأخرى بوجود نوع من الاختلاف بين أجزاء النص ، لكنه اختلاف لا يؤدي إلى التناقض . انه اختلاف قد يرتد في جزء منه إلى طبيعة اللغة ، فهو اختلاف طبيعي مردود إلى الطبيعة اللغوية للنص ، أو لنقل بلغة معاصرة : اختلاف مردود إلى آلية النص في
هامش
( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 46 - 48 . ولاحظ فيما أكدناه من النص كيف يجذب الغزالي دلالة القرآن إلى الدعوة إلى الآخرة دون الدنيا التي يضعها في علاقة تعارض مع « الدين » ، وهو الاتجاه الذي نناقشه في الباب الثالث من هذه الدراسة .