تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
تحديد طبيعته الخاصة . وهذه الآلية الخاصة كما سبقت الإشارة هي التي تجعل فعل القراءة - والتأويل من ثم - جزءا من آليات النص . لقد عبر القدماء عن هذا الترابط بين « آلية النص » وبين « فعل القراءة » حين أدركوا أن الاختلاف يرتد إلى طبيعة اللغة ، وأن القراءة تتم من خلال « المعقول » الذي لا يصح أن يتعارض معه المنقول أو النص . وانما حملهم على التأويل وجوب حمل الكلام على خلاف المفهوم من حقيقته لقيام الأدلة على استحالة المتشابه والجسمية في حق البارئ تعالى ، والخوض في مثل هذه الأمور خطره عظيم . وليس بين المعقول والمنقول تغاير في الأصول ، بل التغاير انما يكون في الألفاظ ، واستعمال المجاز ( في ) لغة العرب . وانما قلنا : لا تغاير بينهما في الأصول لما علم بالدليل أن العقل لا يكذب ما ورد به الشرع ، إذ لا يرد الشرع إلا بما يفهمه العقل ، إذ هو دليل الشرع وكونه حقا . ولو تصوّر كذب العقل في شيء لتصوّر كذبه في صدق الشرع ، فمن طالت ممارسته العلوم ، وكثر خوضه في بحورها أمكنه التلفيق بينهما ، لكنه لا يخلو من أحد أمرين ، اما تأويل يبعد عن الأفهام ، أو موضع لا يتبين فيه وجه التأويل لقصور الأفهام عن ادراك الحقيقة ، والطمع في تلفيق كل ما يرد مستحيل المرام « 1 » . وإذا كان « الاختلاف » حين يقرأ من خلال « المعقول » يزيل توهم « التناقض » فان الاختلاف يصبح نوعا من التنوع لا يتعارض مع الايمان بوحدة « النص » ووحدة مصدره . وإذا كانت الآراء والإيديولوجيات تختلف ، فان « المعقول » الذي لا يتعارض معه النص يختلف من جماعة إلى جماعة داخل العصر الواحد في المجتمع الواحد ، ويختلف من مجتمع إلى مجتمع في العصر الواحد ، وهو أشد اختلافا بتغاير العصر وتقدم الزمان وتطور المجتمعات . ويظل النص من خلال آليات الاختلاف نصا قابلا للقراءة والتفسير والتأويل . لو كان القرآن كله محكما لما كان مطابقا إلا لمذهب واحد وكان بصريحه مبطلا لكل ما سوى ذلك المذهب ، وذلك مما ينفر أرباب سائر المذاهب عن قبوله والنظر فيه والانتفاع به . فإذا كان مشتملا على المحكم والمتشابه طمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يؤيد مذهبه وينصر مقالته ، فينظر فيه جميع أرباب المذاهب ، ويجتهد في التأمل فيه صاحب كل مذهب . وإذا بالغوا في ذلك صارت المحكمات مفسّرة للمتشابهات « 2 » . إن النص بهذا الاختلاف لا يحدد هويته فقط ويميز نفسه عن غيره من النصوص بل يتجاوز ذلك لكي يجعل من نفسه محورا في الثقافة عن طريق قابليته للتفسيرات والتأويلات
هامش
( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 80 . ( 2 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 13 .
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن ) — صفحة 187 | نصر حامد أبو زيد