التأويل . وعلى هذه القراءة تبقى جملة « يقولون آمنا به » مقطوعة عن السياق إلا على تأويل أنها خبر لمبتدأ محذوف . وعلى قراءة الاستئناف يكون
« الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ »
خارجة من حكم العلم بالتأويل وتكون مبتدأ خبره « يقولون آمنا به » « 1 » .
لقد كان المبدأ الذي طرحه المفسرون أن هذا الغموض الراجع إلى « الاجمال » يمكن الوصول إلى دلالته بالعودة إلى النص ذاته في مكان آخر ، فالمجمل في موضع له بيان في موضع آخر . ان تفسير الرسول للظلم بالشرك كان تفسيرا للنص بالنص ذاته ، فالنص من خلال نظامه اللغوي والدلالي يؤسس معجمه الخاص ويضع أساس تفسير الغامض في بعض أجزائه :
قال العلماء من أراد تفسير الكتاب العزيز طلبه أولا من القرآن فما أجمل منه في مكان فقد فسر في موضع آخر ، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر « 2 » .
وليس أدل على أن النص يؤسس لغته الخاصة من « المشكلة الشرعية » التي أضفاها النص على كثير من ألفاظ اللغة كالصلاة والزكاة والصيام والحج ، بل إن ألفاظ « الاسلام » و « القرآن » و « الوحي » و « الشرع » و « السنة » تدخل في اطار الألفاظ التي أضفى عليها النص دلالات لم تكن لها في اللغة ، وهذا هو الفارق بين « الدلالة الشرعية » و « الدلالة الوضعية » لهذه الألفاظ . لقد بلغ من الاحساس بهذا النقل الدلالي الذي قام النص بتحقيقه في بعض ألفاظ اللغة ان اعتبر بعض العلماء أن هذه الألفاظ من « المجمل » الذي يحتاج للبيان :
ومنها الآيات التي فيها الأسماء الشرعية نحو
« وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ »
« فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ »
و
« لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ »
قيل إنها مجملة لاحتمال الصلاة لكل دعاء ، والصيام لكل امساك والحج لكل قصد ، والمراد بها لا تدل عليه اللغة وافتقر إلى البيان . وقيل : لا ، بل يحمل على كل ما ذكر إلا ما خص بدليل « 3 » .
إن بيان « المجمل » والكشف عن دلالة الغامض بالعودة إلى سياق النص في أجزاء أخرى أمر هام دون شك خاصة في مجال استثمار الأحكام الشرعية الفقهية من النصوص ، لكن كثيرا من أجزاء النص أيضا تظل تحتمل تعدد القراءات ومن ثم تعدد التأويلات خاصة على مستوى التركيب والأسلوب ، ومع اختلاف « المنظور » الذي ينطلق منه القارئ والمفسر ، وآية « آل عمران » خير دليل على ذلك .
هامش
( 1 ) انظر تفاصيل هذا الخلاف في الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ص 72 - 74 .
( 2 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 175 .
( 3 ) السيوطي : الاتقان في علوم القرآن ، الجزء الثاني ، ص 20 .