3 - الاختلاف الذي يوهم التناقض
في كثير من أجزاء النص يحدث نوع من الاختلاف الذي يبرز من خلال « التكرار » ، ولكنه تكرار لا يعيد نفس الشيء ، بل تكرار يطرح جديدا . وحين قارن القدماء هذه النصوص « المكررة » ولاحظوا « الاختلاف » بينها حاولوا أن يكشفوا أن هذا « الاختلاف » لا يؤدي إلى غموض أو تناقض في دلالة النص ، بل الأحرى القول انه اختلاف دال على « الاعجاز » من حيث دلالته على قدرة النص على التصرف دون الوقوع في التكرار الحرفي . إن القصص القرآني مثلا يتكرر في السور المختلفة ، لكن هذا التكرار يضيف دائما شيئا جديدا ، فقصة موسى مع أهله حين رأى النار في طريق عودته إلى مصر تأتي في كل سورة بأسلوب مختلف وبإضافة جديدة . فالقصة تحكي في سورة « النمل » أن موسى :
رأى نارا فقال لأهله :
« إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ »
. وقال في سورة طه في هذه القصة :
« لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً »
. وفي موضع
« لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ »
. وقد تصرف في وجوه وأتى بذكر القصة على ضروب ليعلمهم عجزهم عن جميع طرق ذلك . ولهذا قال :
« فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ »
ليكون أبلغ في تعجيزهم وأظهر للحجة عليهم « 1 » .
ولذلك أعاد قصة موسى في سور وعلى طرق شتى وفواصل مختلفة مع اتفاق المعنى « 2 » .
ولا يكتفي القدماء بهذا « التعليل » لوجود ظاهرة الاختلاف بين أجزاء النص ، بل يحاولون تفسير هذا الاختلاف وذلك اعتمادا على مبدأ هام هو نفي الاختلاف الذي يوهم التناقض . ونفي الاختلاف الذي يوهم التناقض ليس نفيا للاختلاف في ذاته بل هو نفي للتناقض الذي يمكن أن يوهمه هذا الاختلاف . إن النص ذاته ينفي عن نفسه « الاختلاف » الموهم بالتناقض : - سئل الغزالي عن معنى قوله تعالى :
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً )
فأجاب بما صورته : الاختلاف لفظ مشترك بين معان ، وليس المراد نفي اختلاف الناس فيه ، بل نفي الاختلاف عن ذات القرآن ، يقال : هذا كلام مختلف ، أي لا يشبه أوله آخره في الفصاحة ، إذ هو مختلف ، أي بعضه يدعو إلى الدين ، وبعضه يدعو إلى الدنيا . أو هو مختلف النظم ، فبعضه على وزن الشعر ، وبعضه منزحف ، وبعضه على أسلوب مخصوص
هامش
( 1 ) الباقلاني : اعجاز القرآن ، الجزء الثاني ، ص 56 ، والآيات من سورة النمل : 7 ، طه : 10 ، القصص : 29 .
( 2 ) المصدر السابق : ص 59 .